(1)

في يوم الثلاثاء الموافق الخامس من شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1978، جاء الأكاديمي الإيراني والمحاضر في جامعة تهران، "إحسان نراغي"، ناصحاً الشاه محمد رضا بهلوي وقد كان مستشاره الخاص. ، في أيامه الأخيرة وقد ضاق شعبه بفساد حكمه وطغيانه. ظل الطاغية في حاجة لمن يمده بنصحفكان "نراغي" أحدهم . قال الرجل للشاه : "إذا كان عليك أن تتخلى عن الحكم، لا تغادر ويداك ملطختان بالدماء".
كتب السيد "نراغي" قصة استشاراته ومجمل علاقاته مع شاه إيران، في كتاب توثيقي مُحكم تحت عنوان: "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"، (1991). ويا لها من نصيحة صادقة ، إذ بعد أسابيع قليلة، من تلك النصيحة، قرّر الشاه الرحيل عن بلاده ، وعاد الإمام الخميني إلى تهران ليبنى دولة إيران الإسلامية، على أنقاض نظام الشاه الهالك. .


(2)
تلك قصة لا تختلف عن كلّ قصص الطغاة التي قرأنا عنها عبر التاريخ. عاش السودان الحديث، تجربتين مع الأنظمة الشمولية، التي قضت عليها انتفاضات شعبية، والطغيان فيهما ليس بالطبع كالطغيان الشاهنشاهي، ولكن تتماهى التجربتان مع التجربة الإيرانية، في انتهاء القصة برحيل الطاغية. في الحراك الثوري الكبير ضد نظام البشير في السودان والذي عمّر ثلاثين عاما، الخسران فيها هو أضعاف ما كسب البلد من خير قليل، مع إذلال كثير وخراب عميم وحقوقٍ مضاعة. ألا يحتاج الطاغية السوداني لنصيجة مثل نصيحة "نراغي" للشاه الإيراني. . ؟

(3)
إن كانت السنوات الست في الشمولية العسكرية الأولى في السودان، تحت حكم الفريق عبود (1958-1964)، قد تضاعفت في حقبة الشمولية العسكرية الثانية، تحت حكم جعفرنميري (1969 إلى 1985، فبلغت ستة عشر عاما ، فإن سنوات حكم البشير في نظامه العسكري الشمولي من 1989 إلى 2019، قد بلغت مداها بحسب المتوالية الرياضية . عليه فقد آن للسودانيين أن يتنفسوا قليلاً ، قبل أن يحلّ نظام شمولي ثالث، قد تمتد سنواته لتبلغ الستين..! لهم أن يضيقوا بحكم البشير فيجبرونه على التخلّي هو ونظامه. ليس في الأمر مزحة، فقد ضاق شعب السودان حقيقة بإذلال الثلاثين عاما ، وعلى الطاغية بعدها أن يرحل، وقد بلغ من عمره في الحكم- وفي غير الحُكم- عتيا. .

(4)
يعجب أهلنا في السودان، من نظامٍ عجز عن تحقيق إستقرار وتنمية وسلام في البلاد على مدى ثلاثين عاماً، فعوضاً عن الإقرار بالفشل وهو ذريع، هاهو رئيسه يدعو لحوارٍ دون خجلٍ ، بين من والاه ومن عارضه، ليجد لنفسه ذريعة يتجاوز بها الأزمة، ويطيل عبرها بقاءه في الحكم. . هكذا يستعجب المتابعون أحــوال ديناصورين في بلدين شمال صحراء القارة الأفريقية، لا يستوعب الثاني منهما وإسمه البشير، الدرس الذي غيّـبَ الأول وهـو بوتفليقة. . !

(5)
يثبت السودانيون، وبطول مكثهم في شوارع وساحات الاعتصام، كل هذه الأشهر الطويلة، من ديسمبر عتم 2018 وحتى أبريل الحالي، أن للشعوب أنفاساً أطول من أنفاس الطغاة ، وصبراً على مخازيهم وأكاذيبهم، أطول من دأب الفاسدين منهم على السرقة وتخريب البلاد وقهر العباد.
ما أصدق نراغي الإيراني وهو يصدر نصيحة صادقة لطاغية أرخى أذنه فاستجاب ورحل قبل أن يتورّط أكثر ممّا هو متورّط في إراقة دماء أبناء بلده. . ألا ينصت الطاغية السوداني لنصيجة مثل نصيحة "نراغي" للشاه الإيراني. . ؟


الخرطوم – 10 أبريل 2019