(1)

جاءَ في "لسانِ العرب" أنّ الزبانية هُمُ الشُّرَط، وفعلهم كلهُ مِن الدَّفْع، وسُمّيَ بذلك بعضُ الملائكة لدفعهم أَهلَ النار إليها دفعا. ونقلاً عن "لسان العرب"، قالَ الفرّاء : يقول الله عزّ وجلّ: سندعو الزبانية، وهم يعملون بالأَيْدي والأَرجل فهم أَقوى، وقال الزجّاجُ : الزبانية هم الغِلاظ الشّداد، واحدهم زِبْنية، وهُم أولئك الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم : عليها ملائكة غِلاظ شِدادٌ، وهم - إذا آثرنا استعمال لغة اليوم- الشرطة المنوْط بها دفع أهلِ النارِ في الآخرة إلى أتونها، والتزام الشِدّة والغِلظة في أخذهم إليها، دون أقلّ شفقة. وهل اختلف زبانيتنا عن هؤلاء. . ؟


(2)
لنا أنْ نسأل مَن يكون زبانيتنا هؤلاء الذين يطلقهم مَن سَدَرَ بكلكلهِ في البطشِ المُمنهج، بادعاءِ توجّهاتٍ لا موقع لها من الإعراب العقائدي، ولا اقتراب لها من فِطرةِ الناس، لا في السودان القديم الذي عرفنا، ولا في السودان الجديد الذي انشطر على نفسه إلى دولتين ؟ مَن يكون زبانيتنا الماثلون أمامنا الآن؟ ؟ إنْ كانَ لنارِ الآخرة زبانية شِدادٌ غِلاظٌ، فمَن يماثلهم عندنا في السودان، غير رهطٍ من الشياطين إمتطوا الجياد لحرق أهل دارفور في غرب السودان، فتماهوا أو كادوا أن يكونوا هم "الجنجويد" القتلة. .؟ أمـا كانوا هم كذلك من يتخفّون في مَقارِ التعذيب وَكهوفِ الشبّيحة ومنازل الأشباح ، ملثّمون يلاحقون المحتجين الآن، وإن كانوا في غرف نومهم، ويسومونهم والوطنَ بسياطِ عَذاب. .؟


(3)
يسألونك عن الزّبانية، قُل هُم قومٌ هبطّوا في السودان - أرضِ السُّمرِ- بليلٍ بهيمٍ، قبل ثلاثين عاما، مثلما تحُطّ العواصفُ عجاجتها على سهلٍ هاديء، أو مثل اندفاع السيل بعد مطرٍ كاسح، أو مثل حلول الضباعِ على مراعٍ للشياهِ الناعسة، أو نزول بنات آوَى على مراتعِ الغزلان البريئة. لا تسل "أبي تمام" عن موضعي السيف والندى. .
موضع الندَى هنا، صار موضعاً تُذلّ فيهِ النساء قبل الرّجال، والصبايا والشيوخ قبل الفتيان، وصبية المدارس قبلَ شباب الجامعات. هو هجوم الجنون على العقل، بسلاح القهر والإذلال. موضع النّدى في السنوات التي انقضت ، صار فناءاً يُجلد فيه مُغنّى يطرب الوجدان السويّ، فيقتلونه في السودان افتراضاً، تحتَ بصر الإعلام وعيون شهودٍ، غالها الاندهاش، شاخصة تنظر. عِوَضَ أن يكون المغنّي طائراً غرِداً في مسَارحِ الطربِ والإبداع، تنوشه سِهامُ الزّبانية فيستعذبَ الموت، بعد أن خاطوا أكفانه وهوَ حَيّ يُغنّي. موضع النّدَى عندنا في أرض السّمر، صار ساحة تُجلد فيها النساءُ لشبهاتٍ، لا يصدّقها إلا مَن يُبرّر لبلطجية السلطة الحاكمة جلدَ العذارَى والتلذّذ بإذلالهن، وتنشرح أساريرُهم، بعد كلّ ضربة على الأجساد الرقيقة، وهم سعداءٌ - كما الحجاج بن يوسف الثقفي- بقطع رؤوسٍ زعموا أنها أينعتْ، وأنّهُم أصاحبها. موضع الندى هنــا، صار محفلاً تُقهر فيه سيداتٌ سودانيات مُحترمات، لأنّ مخبولاً أصابته لوثة ممّا لبسنَ من ثياب، فدفع زبانيته وفتحَ عيونهم الليزرية، كي لا ترى في المرأة، إلا رجسا يحصره القهر، وشيطاناً للشهوةِ يشفيه الذّل الممنهج.


(4)
رأيتُ قبل سنوات قليلة، امرأة مبدعة سودانية، كاتبة روائية ذات صيْت، مارسَتْ حقّها في الاحتجاج السلميّ في مدينة "مدني"، وهو حقٌ قيلَ إن القانون يكفله، جرَى اعتقالها وما أطلقوا سراحها إلا بعد ليلةٍ قضتها في بيتٍ من هذه البيوت الشبحية، سامها فيهِ الشياطين الغِلاظٌ مِن ميليشيات الزبانية، عذاباً ما بعده عذاب ، دفعاً وَركلاً وَخبطاً، ثمّ انتهى الأمر بها ضحية لتحرّش جنسيٍّ مُخجل. كنّا نحسب أنْه كلّما بعدنا عن المركز في عاصمة البلاد، قلّتْ نسبُ البشاعة وتلاشتْ. مع الأديبة السودانية "رانيـا مامون"، زادتْ البشاعة كمّاً ونوعـاً ولونا. ترى هل قـرأ الزّبانيــة كتابات "رانيا". . ؟


(5)
يسألونكَ عن زبانية الاقتصاد، قل هُم مَن قضوا على الفتى "مجدي محجوب محمد أحمد" في حُرِّ ماله، في أول توليهم أمر البلاد، فما رحموا دمعة أمٍّ مكلومة، رحلَ زوجها قبل أشهرٍ معدودات، ولا رعوا قدْرَ عمّهِ الرّاحل الوزير جمال محمد أحمد، ذلك المُفكّر الوطني الكبير، فتنقشع سحابات الغِلظة مِن وجوههم الكالحة. ولأنّهم احتاجوا لأمثولة يخيفون بها العالمين، ولِفزّاعة يرهبون بها تجّار السوق، فقد رفعوا سيوفاً باترة في موضع النّـدى، فاغتيل الفتى الأغرّ في عام 1989، بعد أن أدانوه في محكمة، أشدّ ظلماً وإظلاماً من محاكم التفتيش التي عرفتها القرون الوسطى في أوروبا، وإيّاك أن تسأل بعـدها، أينَ ضمائر الزبانية ؟


(6)
يسألونكَ عن أفعال الزّبانية قبل ثلاثين سنة ، قل هيَ في ترصّدهم تياراً سياسياً بلونه العقائدي المميّز، حسبوا أتباعَه رهطاً مِن كُفّار القرنِ العشرين، فأباحوا دماءهم بذرائع الدِّين، واقتادوا مَن كان مُحتجزاً منهم وهو على بُعد آلافِ الكيلومترات من الخرطوم، إلى ساحة الإعدامات في ضاحية "شجرة الزّقوم"، غربي العاصمة الخرطوم، فقضى شهيداً مع شهداءٍ أبرياء عددهم تسع وعشرين، عدد أيام شهر رمضان الكريم، برصاصاتٍ إسلاموية باطشة، رُفعتْ كالسّيوفِ في موطن الندى، وفي أيام الصّوم المُباركة، فصار إفطارهم من أكبادِ الشهداء، وشرابهم بعدَ آذان وقفة العيد، من دمائهم. لكأنّهم في إفطارهم الأخير تمثلوا السيّد المسيحَ، وتلاميذه الإثني عشر في "العَشاء الأخير". همُو زبانية لا يرحمون وإن رفعوا رايات لا إله إلا الله، مثلما رفعها "الداعشيون" في أنحاء الشام، ولكن مِن سوء فعلهم ومن بؤس مكرهم، ارتجّتْ السموات، فأخذ الله ربُّ العالمين من ولغ في الإثم منهم، أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ، وهُم في طائراتهم التي هوتْ من الفضاءِ حطاما.


(7)
يسألونك عن الزّبانية، قل هُم من بَعَثوا سيوفَ مُمالئيهم إلى خارج البلاد، لأخذ الثأر مِمّن رأى خبالاً في دعواهم، ففشل مكرهم الأخرق في بلاد "الزهرة الجديدة" :"أديس أببا"، في محاولة اغتيال رئيس مصر الأسبق "حسني مبارك"، الذي وصفوه وقتذ اك بالفرعون، ثم بعدَ أن خاب مسعى من كلفوا - ولمُداراة نصبهم وتكاذبهم – عمدوا على تصفيتهم ، بذات سيوف المؤامرة التي حاكوها. لكأنّ دين محمد ودين حمزة عمّ النبي الكريم، رضوان الله عليهما، لا يذكّرهم بأنّ لدمِ مُسلم مثل المصري "حمزة"، الذي استعملوه سيفاً للتآمر لقتل الفرعون في مدينة "الزهرة الجديدة"، حرمة واحتراماً مستحقا. . .


(8)
يسألونك عن الزَّبانية وعَن "بروتوسية" أفاعيلهم، فحدِّث عن مُقاتلٍ أجنبيٍّ إسمه "ايليتش كارلوس"، اختلفَ الناسُ حوله وتجادلوا : أهو مناضلٌ خدمَ القضية الفلسطينية، أم محض ذئب إرهابيٍّ دوليّ تلاحقه الشرطة الدولية، مثلما تلاحق الفهود الكاسرة أبناء آوَى في البريّة. .؟ قل عن الزّبانية هنا ما تقول، لكنهم كانوا الأذكى في النّيلِ مِمّن دوّخ العالم كلّه، فمَا قدِرَ عليه أحدٌ إلا هُم. واستعجَبَ الفرنجةُ أنفسهم مِن مكرِ أناسٍ في الخرطوم، ما بلغوا هم في فرنسا، شأواً يماثل مكرهم الذي أوقع بكارلوس في الخرطوم. . !


(9)
يسألونك عن الزّبانية هنا، قل هُم حُماة عصبة عمّدتهم شُرطاً قُساة غِلاظ القلوب، فاستباحوا دم أبرياءٍ، ضاقوا من شظف العيش، يخنقونهم: نساءاً ورجالاً وأطفالا. لم يرحموا من النساء ممّن وقعن في أيديهم، إلا بعد إذلالٍ وقهر وتحرّش، ولا أخذتهم بأهلِ الإعلام وكتّاب الصحافة رأفة، إلا بعد كسر أقلامهم قبل أضلاعهم، وخنق أصواتهم قبل حلاقيمهم. مزّقوا الصّحف بهراواتهم، وداسوا موادها بأحذيتهم، قبل أن تمزّق سياطهم ظهور من تجرأوا وجهروا بحقيقة ما رأوا، ورصاصهم ينهمر على صدور من احتجّ من بني جلدتهم.. في الأشهر الحُرُم، لم تأخذهم رحمة بمن تجرّأ وحدّث عن تجاوزاتهم وحماقاتهم وطغيانهم . .


(10)
قال شاهدٌ رأى الزّبانية رؤي العين: سأنكِر وَطني ثلاثاً، قبلَ صياحِ الدّيكِ مرَّتين، إلا أن بأخذهم الشعب والله معه ، أخذ مقتدر مكين. . .