(1)
فيما يبحر الرئيس الأمريكي، سباحة حرة على نهجه الداعي إلى إعلاء المصالح الأمريكية وحدها، عبر شعار"أمريكا أولاً"، كان متوقعا أن يقع ذلك النهج في تناقض متنامٍ مع ثوابت رعاها المجتمع الدولي ، ورسخت دعائمها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1938-1945). لعل من بديهيات تلك المفاهيم، هي خلق نوع من التوازن الايجابي بين المصالح القومية لكل دولة قطرية، وتلك المباديء التي روعي أن تجنب هذه الدول، الوقوع في حروبات ومواجهات ومعارك، مثل التي أفضت إلى هلاك ملايين البشر في الحرب الثانية. صارت مباديء حفظ السلام والأمن الدوليين هي التي عزّزت مفهوم "المجتمع الدولي" القائم على مبدأ واضح المعالم، هو التعاون وليس التصارع، على التفاهم لا على الاختلاف. ذلك مبدأ استوجب التوافق على الالتزام بسياسات دولية ، رعتها "هيئة الأمم المتحدة"، عبر ميثاقها الأممي وأجهزتها وهيئاتها وأذرعها الفاعلة، من أجل عالمٍ آمن ومستقر. وبداهة أيضا ، أن أي اختلال في تطبيق تلك الالتزامات، يترك "المجتمع الدولي" عرضة لما قد يتهدد أمنه واستقراره.


(2)
إن شعار ونهج "أمريكا أولاً"، حمل في طيات توجهاته، نية لإحداث اختلال في التوازن بين المصالح القطرية، وتلك الالتزامات التي أقرها المجتمع الدولي. حين وقف الهالك "القذافي"، في منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وقذف بنسخة من ميثاق الأمم المتحدة إلى أرض قاعة الجمعية، مشيراً أنه لا يسوي الحبر الذي كتب به، فإن في مسلكه استخفافاً بمبدأ راسخ للتعاون الدولي. وحين تنظر لإدارة "ترامب" ، التي تراجعت عن التزامات الولايات الأمريكية المتحدة ، تجاه المجتمع الدولي ومؤسساته، فيما يتصل على سبيل المثال، باليونسكو وقضايا المناخ ومقررات اتفاقيات دولية حول التعاون النووي وقضايا المناخ واللاجئين والهجرة، وآخرها تنصّل الولايات المتحدة من مساهماتها في "الأونروا" اضعضعة أوضاع اللاجئين في فلسطين، فإن ذلك المسلك من قبل إدارة الرئيس "ترامب"، لا يختلف كثيراً عن استخفاف ذلك الهالك "القذافي" بمباديء المجتمع الدولي. .


(3)
لا يختلف الناس حول أثر التحوّلات المعقدة التي أنتجتها ثورة الاتصالات والمعلوماتية ، وهي تختزل الزمان والمكان ، بما يتجاوز ما بدا من "سلحفائية" في العمل المؤسسي في إدارة العلاقات بين الدول والشعوب. صارت للإعلام وأذرعه المشاهدة والمقروءة والمسموعة، سطوة عالية الوتيرة، سريعة الأثر ، بما أبطأ من فعالية مؤسسات اتخاذ القرارات المؤثرة في العلاقات بين الدول . لعلّ دبلوماسية "تويـتر" التي اتبعها الرئيس الأمريكي "ترامب"، هي نوعٌ من الهرولة لاستباق فعالية المؤسسات التنفيذية، وأهمها وزارة الخارجية، وقد بدت جميعها وكأنها تلهث للحاق بما يقرره ذلك الرئيس، قولاً أو فعلا. تسمع لـ"ساندرز" الناطقة بإسم "البيت الأبيض"، فتراها تجاهد لتلحق بما يصرح به الرئيس، إبانة مزيدة، أو تعديلاً خجولا. على ذات النحو ، نرى الأجهزة التشريعية تلهث لملاحقة أداء الرئيس، بل إن الهوة آخذة في الاتساع بين حزب الرئيس ، الحزب الجمهوري، وبين الرئيس نفسه، وبانت الشروخ الداخلية في صفوفه، بينة في مداولات مجلسي النواب والشيوخ.

(4)
ذلك الذي رشح إلى صحيفة الـ"نيويورك تايمز" الذائعة الصيت، عن كيان خفي داخل "البيت الأبيض" يهدف إلى مقاومة الرئيس "ترامب" في ممارساته التي يراها أعضاء ذلك الكيان، أنها تعمل، ليس فقط لإضعاف المؤسسية الراسخة، بل تقف مهددة مقررات الدستور الأمريكي نفسه. يمثل مسلك الصحيفة الأمريكية بما نشرت عن ذلك الكيان المعارض داخل "البيت الأبيض"، وجهاً جديداً للمواجهة التي بلغت حدود العداء، بين الرئيس "ترامب" والإعلام الأمريكي الذي وضح أن الرئيس في ملاسناته يتهمه إتهاماً صريحاً له بأنه إعلام كاذب.


(5)
إن الساحة التي اختارها الرئيس الأمريكي، لبسط توجهاته وتصريحاته وتعليقاته، هي ساحة "تويتـر" عبر الشبكة العنكبوتية، بما بدا وكأنه تجاوز لمؤسسية وهيبة الإدارة الأمريكية، هي ذات الساحة التي اختارها كيان داخل الإدارة نفسها، يسعى للتأثير على تجاوزات الرئيس ، ومحاولة كبح جماح التطرف في قراراته وتصريحاته. بقي للرئيس "ترامب" إزاء ما يتهدد صلاحياته، أن يصعّد انفعاله وغضبه، فيطالب القضاء الأمريكي لفضح محاولات زعزعة الثقة بالرئيس، وربما قصد إجبار صحيفة الـ"نيويورك تايمز" للإعلان عمّن يقف وراء الكيان الخفيّ الذي يتآمر على الرئيس داخل بيته الأبيض. . ذلك صراع قد يمسّ مباديء لها قدسية متجذرة في الدستور الأمريكي، تتصل بحرية الرأي واستقلال أجهزة الإعلام، وسيكون للرأي العام الأمريكي قولاً فصلاً في ذلك الصراع ، بلا شك. إن الممارسة الديمقراطية الأمريكية نفسها، ستكون غرضة لاختبار حقيقي في الانتخابات النصفية القادمة. .

8 سبتمبر 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.