أقرب إلى القلب :

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
إلي صديقي الحبيب مصطفى مدثر . . دعني أحدثك عن "ضنين الوعد"، من ذاكرة خربة متهدّمة، لكن لها إبراقٌ، أتحيّنه بين الفينة والأخرى، فتنتغش من خمولها بذكرياتٍ حيّة، نابضة كيانع الثمر . .
فقدتْ مدارسنا قبل أسابيع قليلة، مُعلّمة "أم درمانية"، طيبة الذكر، كريمة المحتد، يتذكّرها من علمتهم في مدارس العاصمة الخرطوم، بعضُ شقيقاتنا وبناتنا ، أما أنا فلم يتح لي أن اعرف شخصها، ولا أذكر أنّي التقيتها، ولكن قاسم مشترك أحسّه جمعنا بها، في زمانٍ ما ، أنا وأنت . حين نعاها الناعي قبل أسابيع، جرفني الحزن إلى ضفافٍ في ذاكرة بعيدة المدى. . لربّما عرفتها أنت يا صديقي ، ولربما ضاع إسمها، أو ضنت باسمها ذاكرتك . .


(2)
كنا في سنوات الستينات الأولى من القرن العشرين ، يا صديقي مصطفى، تلاميذاً في "مدرسة النهضة الوسطى" بأم درمان، ونحن في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. كنت أتذكّر معلماً للغة العربية في تلك المدرسة، إسمه صديق مدثر، هو شقيقك الأكبر وإنه شاعرٌ معروف . وضع الأستاذ صديق، قصيدة للمدرسة، فكانت بمثابة "السلام الرسمي" لها. لربّما انتقل لمدرسة أخرى ، فما عرفناه مدرّساً لنا ، أنا وأنت وهاشم الخير، ومامون حامد، وخالد ساتي عمر، وصلاح سليمان وميرغني الحاج. . جمع الفصل تلاميذاً لا يقلّ عددهم عن الثلاثين. أعجز أن ألحّ على ذاكرتي الآفلة، أن تعينني لأعرّفك بهم واحداً واحدا.


(3)
حين تغنّى الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي، في السنوات الآولى من ستينات القرن الماضي، بأغنية "ضنين الوعد"، أسرتني الكلمات وأطربني اللحن . سألتك يا صديقي عن شقيقك الشاعر الذي نظم كلمات الأغنية ، ثم حكيت لك كيف أبكاني تغريد الفنان الكابلي ببيت من القصيدة ملك قلبي وأدمعت عيناي معه، بل غالها الدمعُ، وأنا وأنتَ في تلك السنِّ الصغيرة :
وافتـرقـنـــا وَبعيـــنـيّا المُـنــى غالــهَا الدمعُ فمَـا أبصرتُ شــيّا
كنتُ أفضي إليك يا صديقي عن كيف أعجبتني أغنية الكابلي تلك، ولكن لم نكن – لا أنت ولا أنا – نعرف إن كانت لهذه الأغنية الجميلة، قصّة تُروى، أوحكاية ذات أبعاد، أووقائع ذات جرسٍ يأسر الأذن شجيّا. .


(4)
لم يكن يعنينا شيءٌ مِن كلّ ذلك، بل طفقنا نردّد ذلك الطرب الصافي مع عبد الكريم الكابلي. شكّلت تلك الأغنية- كما تعلم يا صديق- مرحلة جديدة في المسيرة الغنائية للفنان الكابلي. بلغتْ لجمالها، أسماع كاتبٍ عملاق وشاعرٍ ضخم في مصر، هو عباس محمود العقاد، وقد رأى أن يعدّل في القصيدة - فيما سمعت- وألمح إلى أن " الشخص يضنّ بالشيء"، فينبغي أن يُقال " يا ضنيناً بالوعدِ". . فاعتمدها "الكابلي"، وأخذ يقول بها في تسجيلات لاحقة للقصيدة الجميلة. .


(5)
مَن يصدّق أننا، وفي سنوات الطفولة تلك ، كنا نمثل أدوار النضجِ والوعي المبكر. لم نكن يا صديقي، قد بلغنا مرحلة الحلم كما تعلم، لكنّا أدرنا الجمعية الأدبية في المدرسة بجرأة خجولة، وبرعاية من أساتذة اللغة العربية، يحضرني منهم معلمنا الراحل عمر علي أحمد، وبعض أساتذة آخرين. كنّا نتبادل كتب الأدب والشعر، ممّا نغتني بما نوفّر من "فلوس الفطور". أظنك تتذكّر صديقنا حمد محمد السيد، فهو الذي كان يزوّدنا ببعض دواوين نزار مما يأخذ خلسة من مكتبة شقيقه الأكبر "بعشر". . أتذكر كأنّي البارحة قد استلفت منه ديوان الشاعر نزار قباني: "قالت لي السمراء"، دون أن يضبطنا مُعلّم الدين الإسلامي الأستاذ "الطاهر خالد"، ولم يكن ممن يعجبهم شعر نزار، فيحيلنا إلى ناظر المدرسة ، صاحب المفاتيح التي تعرف: أستاذ "عمر خالد مضوي". .
يا لهم من كبار ذوي قاماتٍ سامقة . . كان المُعلمُ الواحد منهم، يُربّي قبل أن يُعلّم. لا يُخفّف علينا غلظتهم حين يرصدون حماقاتنا، إلا مُعلم الإنجليزية: الأستاذ جمال عيسى . هو الرّحيم بنا ، هو الصديق العطوف علينا، والقريب إلى قلوبنا، حتى وهو يقودنا في ساعات الفجر تلك، إلى تمارين الرياضة البدنية في "حوش الخليفة" المجاور لمباني "مدرسة النهضة" تلك.


(6)
ذلك ما جرى لنا في تلك المدرسة يا صديق، في سنوات الستينات الأولى من قرنٍ، طوينا الآن أعواماً منه، تجاوزتْ الخمسين. إلى ساعتي هذه، أعجب أن كيف أسَـرَتنا – أنا وأنت وهاشم الخير- تلك القصيدة التي نظمها شقيقك الرّاحل "صديق مدثر"، ولم يكن يعنينا أن نعرف سوى أنها محض قصيدة جميلة، جاءت من خيال الشاعر.
مرّت عقودٍ عديدة، إبيَضّ فيها الشَّعر، وَوَهن فيها العظم . قبيل أيام قليلة، عرفتُ أن لتلك القصيدة الجميلة التي أسرتنا، قصّة تحكى. . قالت لي شقيقتي الصغرى فاطمة، أنها تتذكّر مُعلّمة في المرحلة الثانوية، كانت تعلمهم اللغة العربية في مدرسة في نواحي "نادي الأسرة" القديم في "الخرطوم تلاتة" ، عُـرفتْ بإسم "مدرسة الأم" ، حكتْ لهم تلك المُعلّمة عن أغنية "ضنين الوعد"، حين سألتها تلميذة في الفصل عن القصيدة . لم تخفِ عنهم تلك المُعلمة، أن القصيدة نظمها الشاعر في لقاء له معها ، ولم تجد حرجاً في تأكيد الواقعة، بل حدثتهم أن اسمها ورد في القصيدة بتورية بديعة.
لما علمتْ شقيقتي فاطمة، برحيل تلك المعلمة، حزنتْ حزناً عميقاً ، وحكتْ لي عن رصانة تلك المعلمة، وعن شخصيتها الآسرة، وأنها بالفعل هي التي "ضنت بالوعد". .


(7)
عجبتُ أنا- وأظنك تعجب معي- أن تتسع القلوب لعاطفة طاهرة، وأن ينسرب التفاهم جميلاً بديعاً، بين فتىً وفتاة في ذلك الزمان، فلا ترتبك براءة العلاقات بينهما بشكوك سالبة، وأنْ لا تجد معها الفتاة ما يُحرج، إن هي حكتْ لبعض تلميذاتها قصّة شاعرٍ أغرم بها، فنظم قصيدةً جميلة . كان لتلك القصيدة حضورها القويّ في ساحة الغناء السوداني، بصوتِ مُطربٍ ملكَ مساحة شاسعة في تجويد الغناء والطرب ، هو عبد الكريم الكابلي. أما الشاعر جميل الحضور، فهو شقيقك الراحل صديق مدثر، فأمتعانا معاً بأغنية "ضنين الوعد". .


(8)
غير أن ذلك كله ليس بدعاً، إذ أنّ جلّ الغناء القديم عندنا ، يتصل بوقائع بعينها مثلما يتصل أحايين أخرى بأشخاصٍ بعينهم، فلا يحسب ذلك مَنقصةً لفتاة أو لفتى، بل هو ممّا يعزّز من جمال نظم القصيد، ومن بدائع الألحان عن مشاعر صادقة عفيفة. ذلك ما كان عند أوائل مطربي السودان، مثلَ "خليل فرح" و"سرور" و"كرومة" و"زنقار" مثلا، إذ المطرب الأستاذ الكبير عبدالكريم الكابلي، هو امتداد لذلك الجيل الذى بنى معمار الأغنية السودانية، بلا تكلّفٍ ممجوجٍ، أو احساسٍ مُصطنع .
مصطفى يا صديقي العزيز، البعيد في كندا ، لم أكن لأكتب إنْ لم أكن أعلم يقيناً أنك تقرأني بقلبك ، قبل عقلك. أرى الربيع يهلّ عليكم في مهجرك هناك، بما قد يحملك لتذكّر أيام الدفء والحرّ في سودانك الذي تعرف.
نضّر الله صوت عبد الكريم الكابلي، وأبقاه مطرباً كريماً بأفضاله الإبداعية علينا، إذ "ضنين الوعد" عمّدته إماما للقصيد الفصيح في غناء السودان. . ألا رحم الله شقيقك الشاعر الكبير صديق مدثر ، ورحم ملهمته التي علمتُ من بعضهم أنها رحلت قبل أسابيع من تاريخ كتابتي هذه إليك . لقد خلّدا معاً وفي غناء عبد الكريم الكابلي ، نبل الوشائج التي كانت تقوم بين الناس في سنوات البراءة البيضاء والعفاف النبيل . .


الخرطوم، في 20 أبريل 2018