(تهنئة خاصة لصديقي السفير عبد المحمود)

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
         ولأني أخترت أن أكون دبلوماسيا  حتى في الشأن الرياضي ،  فقد كان حرصي وأنا أمارس مهنتي بين زملائي وأصدقائي ، وفيهم المريخاب و الهلالاب ، والمورداب ، أن أقف في المنطقة الرمادية ، متلفعا  بدبلوماسيتي  مبقيا شعر معاوية كله ، لا شعرة واحدة  مشدودة . نعم  هي مشدودة ، لكنها  متينة قوية لا تنقطع ، ولا تهرب من طرف إلى طرفها  الآخر .  يوم الإثنين 17 نوفمبر 2008 كنت أعرف أنه ليس ذكرى لآنقلاب عبود الأغر ، بل أن فيه أيضا ، أمسية  مباراة الكأس  الرئيس بين قمتين ، بينهما المحبة السمحاء والعداوة الجميلة  .

       كنت  محتارا بقدر غير أني رأيت أن أحاذر هذه الأمسية الخاصة ، ففي طرف قريب يقيم مجاوراً ، ليس في وزارة الخارجية فحسب ،  ولكن في مدينة المهندسين الحي الذي يشاركني السكنى فيه بأم درمان منذ سنوات ،  صديقي السفير   حيدر حسن حاج الصديق . أما في نيو يورك فالمندوب الدائم للسودان هناك ، هو السفير عبد المحمود عبد الحليم  المريخي الراسخ باستدامة تعجب ، بيننا تتواصل خطوط الهاتف عبر المحيط  ، تفاكرا حول مآلات ملف دارفور والخوازيق التي تحفر بين كل متر أو مترين ،هذا إذا جئنا إلى حديث الجغرافيا  ، ثم لا يغمض لهم جفن ، إذا جئنا لحديث التاريخ . تراهم يحيكون ما يحيكون من صور شوهاء عن بلدٍ  نحيا فيه ، ونعرف مقدار سماحة أهله وتسامحهم  ، غير أنا  يكاد يخنقنا الضيق من حذق المتآمرين يمكرون مكراً  يكاد أن ينال من قدراتنا يضعفها ، ومن دبلوماسيتنا يوهن صوتها  ويهدر منطقها . يدافع عبد المحمود وفي يديه أسياف العشر، مثل تلك التي أتيحت للخليفة التعايشي ، فيما  مدافع المكسيم  في أيدي كيتشينر وجنده ، في هجير كرري ، يحصدون فرسان العشر حصدا . لا يسمع  ممن يقف معه إلا مثل   قول الصديق أبي بكر لصديقه أن الله معنا .  ما بال بعضنا يأخذ على محمود  انفعاله مدافعا  ومنافحاً  ، ونحن نعرف أي جمر يحرق أقدامه هناك في نيويورك .

        أما صديقي السفير حيدر الصديق ، وقد عاد من الجزائر فإني رأيته هادئا  وقد جاء إلى دفء الخرطوم ،  لا يزعجه أوكامبو ولا أفاعيله وأضاليله بمثل ما تشغل صديقي محمود .

         كنت أغالب الفكر  أتخيل محمودا في نيويورك ، تختلف عليه ساعات النهار في الخرطوم وهي ليله الحالك هناك . يحسب الساعات ليشاهد اللقاء التاريخي لمريخه يواجه أسد الهلال فيرهقه السهر  وينهك قواه بأكثر مما يجد من أشياع أوكامبو   . لكن عليه بالطبع  أن يتابع ، مع ولاية المريخ وواليه ،  كيف  ستكون أحوال فريقه الذي يؤيد ويحب  ويدافع عنه ، ربما بذات الهمة التي  يقاتل بها في ساحة المنظمة الدولية   .

       تابعت من حيث أقيم في بيروت ،  هذه المعركة الجميلة ، معركة الهلال والمريخ ، فأعجبني فيها أن نهايتها التعادلية ، رسخت قمتين كرويتين في السودان ، لهما بلا مراء ذات القوة والشكيمة  والذكاء الكروي . ولنحمد للأقدار ترتيبها ونظامها ، فقد نال فريق منهما  قصب السبق ، وأمسك بالكأس من أذنيه ، وقفز الحارس إلى فوق زاوية المرمى ببهلوانية لم نشهدها منه ساعة احتدام المعركة واشتعال أوارها . ضحكت بيني وبين نفسي  وقلت هي روح التنافس الحارة لا نشوة النصر هي التي كادت أن تلغي عن كاهله جاذبية الأرض فرأيناه يكاد يطير فعلا لا قولا ، فكأني سمعته يهتف : يا هلالا  أضعناك ، نحن هنا لاحقون بالمريخ نفسه في المجرات البعيدة . . !

     لكن وقد انتهى الصراع الحبي ، تجدني  سعدت لأمرين :

أولهما التحكيم ، فقد أبدع هذا الحكم  في إدارة المعركة التاريخية  ببراعة تعجب وكأنه _ حفظه الله_ عددا من الحكام لا واحدا فردا في الساحة الخضراء . قيل في التعريف عن شخصه أنه درس الحسابات في الجامعة ، غير أني أظنهم أخطأوا فهو لا شك نال درجة خفية في القانون ، وحفظه وتطبيقه . أعاد لي الرجل ذكرى لحكم راحل إسمه قنديل . ذلك حكم  رأيناه يصول في الميادين ، يحكم المباريات  فكأنه السلطان ، لا تقع له كلمة على الأرض ولا تضيع له صافرة في فضاء الملعب .

الأمر الثاني أن المعلق السوداني في قناة "آي آر تي " ، قد رأيته يتفوق على بقية المعلقين  عن المعركة المحتدمة بين المريخ والهلال ، وهي ليست لأي حال  لسبب  يعود ل" سودانيته" ، بل من المؤكد  لمعرفته الواسعة بخفايا اللعبة الجماهيرية الأولى في العالم وفي السودان بوجه خاص  . كان الرشيد المهدية  دقيقا في ملاحظاته ، مصيبا في كل ما أشار إليه من  إخفاق هنا أو هناك ،  ومن كلا الفريقين . لم يكن منحازا لفريق  ضد فريق ، ويعرف الجميع أين كان يلعب الرشيد المهدية . شهد له في زملاؤه  في  الاستديو وأشادوا بموضوعيته  وحسن تقديره ، بل وتنبؤاته ، التي صدقت بحذافيرها  وهو يتابع معهم مجريات المعركة محتدمة على أشدها بين الهلال    والمريخ . بخٍ بخ ٍ  ، أيها الرشيد فقد رفعت  صوتنا قويا  ، وعبرت عن خبرة  وكفاءة في فنون لعبة كرة القدم .

       حبيبنا عبد المحمود  ، ألف تهنئة لك ولفريق المريخ ، فقد يزيدك  ذلك – أعلم – نفسا عاليا في التصدي  والمجاهدة المطلوبة وأنت في ساحتك هناك في نيويورك . لن ينعم أوكامبو بنوم هاديء وأنت هناك ، والمريخ قد أمسك الكأس الكبير من أذنيه . يوما أيها العزيز ، من يعرف ،  فقد تمسك بأذني  من يزعجك ، وتريح السودان من جعجعته وضوضائه الخادعة . .

        في الجانب الآخر ،  أقول لصديقي حيدر حاج الصديق ، ألف مبروك ، فقد كان هلالك في قوة المريخ ، لعبا ومناورة وحذقا .  وأنا في منطقتي الرمادية ، تذكرت صحفية سودانية ، سألتني ذات يوم : من تشجع ، المريخ أم الهلال ؟ أظن أني أجبتها أن قلبي يشجع الهلال ، ولكن عقلي يشجع المريخ . . !  هل تراني صدقت أيها القاريء ، في أن أقنعك أني  مستمتع في مقامي في منطقتي الرمادية ... أم أن الدبلوماسية خذلتني هذه المرة . .؟

بيروت - نوفمبر 2008