أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
أية لعنة حلت بالدبلوماسية السودانية، تلك التي ظل صيتها ومنذ سنوات الإستقلال في الخمسينات وإلى التسعينات، لامعا براقاً، بانجازات طغت بصورة لافتة على تجاوزات من قلتها، لا يكاد تلحظها العيون المراقبة ..؟
إن الأداء الدبلوماسي، وفق العرف المحلي والدولي، ووفق المواثيق والإتفاقيات الدولية التي تحكم سلوكياته، هو أداء يتوقع أن يكون نزيهاً ومُعافى ، ولا تلحق به سلبيات، إلا بسبب أخطاء البشر ، إذ الدبلوماسيين ليسوا بالطبع ملائكة معصومين. لقد شهدتْ العقود الماضية من القرن المنصرم، بعض أخطاء ، بل خطايا دبلوماسية، ولكن تمّتْ معالجتها ، بما لا يُسيء لمجمل الأداء الدبلوماسي للبلاد، وبما لا يشين أداءها المميز. .
(2)
ما الذي طرأ فصرنا نرى خلال أشهر العام الحالي، بعض ممارسات جاءت من بعض من حُسبوا على الدبلوماسية السودانية، فشانوها وأسأوا إليها، بما لم يخطر على بال المواطن السوداني البسيط. .؟ لقد حفظ الناس للدبلوماسي السوداني صورة زاهية، مكللة بالاحترام ومحاطة بالتقدير. نسمع عن شبهات فساد بعض دبلوماسيين، بينهم من يتحرش بالنساء في الأماكن العامة، وآخرين يرتكبون مخالفات مالية تتجاوز الآلآف إلى الملايين، فأعجب. أقول عنها هنا أنها محض شبهات وأقاويل، أتمنى من صميم القلب، أن تكون محض شائعات ، فلا يقضّ ذلك مضجع صديقنا وزير الخارجية، الذي هو بحكم منصبه، رئيس الدبلوماسية السودانية وراعيها، تلك التي نريد له ولها، الخير وحسن السيرة.
ما الذي حدث إذن، والإعلام والصحافة ووسائط التواصل الاجتماعي تخوض في شأن الدبلوماسية السودانية بما يظن باطلاً وقد لا يكون ، وبما يظن حقيقة وربما كان غير ذلك. .؟ ما الذي حدث إذن. . ؟
(3)
لعلّ من المهم أن نستذكر أن دبلوماسية العقود الفارطة، لم يكن يقوم بها أنبياء وملائكة منزّهون. فليس للبعض أن يحسب أن الفترات السابقة، كانت خلواً من كل سؤ، رافلة في حلل النزاهة ، تعلو رؤوسها تيجان البراءة . .؟
دعني أعدّد لك أمثلة مما وقع في العقود السابقة ، لتقريب الصورة ، من بعض أخطاء وخطايا الدبلوماسية السودانية، التي لم تتناولها أقلام الإعلام ، ولم ترصدها لأسباب عدة ، سنعرض لها أدناه.
في أواسط سبعينات القرن الماضي، تورّط سفير للسودان في دولة أوروبية لفضيحة أخذت طريقها للصحافة المحلية في ذلك البلد. قاد ذلك السفير سيارته الدبلوماسية وهو مخمور فلفت انتباه رجال المرور، فاستوقفوه، لكنه استكبر ورفض الخروج من سيارته، محتمياً بحصانته الدبلوماسية، التي حسب أن المواثيق الدولية تحميه وهو في تلك الحالة المزرية. . اضطرت سلطات المرور إلى سحب سيارته وهو بداخلها ، وجرت تغطية الخبر الفضيحة، بالصورة في الصحف المحلية في ذلك البلد اأوروبي. حين بلغ الخبر الخرطوم، قررت الحكومة استدعائه على الفور، وأنهت مهمته بل وتعاقده بوزارة الخارجية.
مثال آخر أسرده لك من تجربتي الشخصية أواخر سبعينات القرن الماضي. عملت في سفارة في قلب القارة الأفريقية، على رأسها عميد جرى تعيينه سفيراً بعد تقاعده من القوات المسلحة. ولأنّ الرجل – وهو في ذمة الله- لم تقم وزارة الخارجية بتهيئة الرجل بتفاصيل المهمة الجديدة التي تنتظره في البلد الذي ابتعث إليه كما أنه ويا للأسف لم يتعرف على حدود مهمته وصلاحياته . ودون الخوض في تفاصيل ما جرى، فقد اضطرب الأداء في تلك السفارة ، في جوانبه السياسية والأمنية والقنصلية. لما انهار العمل في تلك السفارة، وبلغ مسامع الخرطوم، فقد تدخلت رئاسة الدولة فور اطلاعهاعلى التجاوزات الإدارية والسلوكية، واتخذت قرارا حاسما باستدعاء ذلك السفير المعيّن، بصورة فورية وأنهيت مهمته وألغي تعيينه في وزارة الخارجية. . .
(4)
وحتى لا يبدو الأمر وكأنه تحاملا على السفراء المعينين سياسياً، فقصة سفير مهنيّ في تسعينات القرن الماضي، في سفارة للسودان في أفريقيا ، تمثل سابقة في الحزم والانضباط نقف عندها. وقعت مخالفة مالية بالغة، من طرف الدبلوماسي الثاني في السفارة، والسفير غائب عن بعثته، لسبب طاريء. حين بلغ الأمر رئاسة وزارة الخارجية، لم تعفِ رئيس البعثة الدبلوماسية من تحمّل جزءٍ من المسئزلية للمخالفة التي ارتكبها ذلك الدبلوماسي المهني في تلك البعثة.. قررت رئاسة وزارة الخارجية في الخرطوم، وعلى الفوراستدعاء ذلك السفير ، وحملته تبعات ذلك الخطأ ، وأنهت مهمته هناك. أما الدبلوماسي المهني، فقد أحيل إلى التقاعد الإجباري ، وقدم للمحاسبة القانونية . اللافت أن مثل هذه المخالفات على عظمها ، لم تكن من الأمور التي تخوض فيها أجهزة الإعلام أو أقلام الصحافة. كان للدبلوماسية وهي من المهن التي تتصل بأمن الدولة ، مكانة وخصوصية تقدر الصحافة حساسيتها.
(5)
لنا أن نسأل: لماذا صارت المخالفات والأخطاء، التي يرتكبها بعض أعضاء الخدمة الدبلوماسية السودانية، في الداخل أو في الخارج، من الموضوعات التي تخوض فيها الصحافة المحلية وسواها، بما يشين تلك الخدمة التي كانت يوماً مضرب المثل في النزاهة وسمو السلوك ونظافة اليد. .؟
لا أدّعي الخبرة، ولا أنتوي تقديم النصح ، ولكني أجتهد ومن موقع المتابع لأداء وزارة عملت فيها ردحاً من الزمن، فأقول إن الإنكشاف على الإعلام والصحافة، قد يُعزى لأسباب ثلاثة :
أولهما : فداحة تلك الأخطاء والمخالفات ، أمام ما يمكن اعتباره تلكؤ اً في الإقدام نحو المعالجة العادلة والناجزة، بما يقطع الطريق أمام التسويات والتدخلات الشخصية والوساطات ، التي قد تخلّ بالمؤسسية، وبصورة المهنة الدبلوماسية التي تقوم بمهام حساسة، تتصل بالسياسات العليا للدولة، وبجوانب أمنية ينبغي أداؤها بالسرية اللازمة.
ثاني الأمرين : أن ثورة الاتصالات واتاحتها لوسائط التواصل الاجتماعي، التي تتناول المفتوح والسري من القضايا بلا استثناء، تشكّل تحدياً جديداً في مجال الشفافية التي أنهت مقتضيات السرية في الأداء الدبلوماسي، وأن الرأي العام بات معنياً بتأسيس شكلٍ من أشكال المحاسبة الفورية الناجزة. .
ثالث الأمور وأهمها، هو التدقيق في اختيار الدبلوماسيين في مداخل الخدمة، مع الحاجة للمزيد من رفع القدرات الدبلوماسية ، وإتاحة فرص التدريب لكافة العاملين في وزارة الخارجية ، مع اتاحة التدريب الخارجي بوجه خاص، لضمان الاحتكاك بالثقافات الأخرى واللغات الأخرى، وكليهما من لزوميات العمل الدبلوماسي المقتدر. .
(6)
على وزارة الخارجية أن تعمل على توثيق أداء الدبلوماسية السودانية، توثيقاً محكماً وتأريخاً دقيقاً ، وربط الصلات بين مختلف أجيال الدبلوماسية، فلا ينقطع التواصل بين الجيل الحالي والسابق. عليها أن تستنطق التجارب والخبرات والمنجزات، من مختلف أجيال تلك الدبلوماسية.
إنّ على جيل الدبلوماسيين الحالي أن يحرص كلّ الحرص على إرث الدبلوماسية السودانية الراسخ، والذي اتصف بالحصافة وجودة الأداء وإجادة اللغات، والتحلي بدماثة الخلق والموثوقية. .

الخرطوم - 24 نوفمبر 2017