أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
في إطلالةٍ عجلى على مجملِ أحوال "العالم الثالث"، مُقارناً بأحوال "العالم الأوّل"- مُقدِراً أن يعذرني القراء لاعتماد تصنيفٍ عفا عليه الزّمن المعاصر- فإن قدراً من المفارقات ترصدها العين الفاحصة . ولتقريب الصورة ، سنجد المفارقة بين العالمين الإفتراضيين الأول والثالث، تفصح عن نفسها بأشكالٍ غير خافية.
يطلّ سؤالٌ مشروعٌ عمّا جرى ويجري من حولنا. يكفي أن نرى أنّ التشظّى صار قدراً من أقدار "العالم الثالث"، فيما التماسك صار سِمة لأقدار "العالم الأول".
بصفتي مسئولاً عن الإعلام في وزارة خارجية السودان في يناير من عام 2005م ، فقد كنتُ شاهداً ،على احتفالية توقيع "اتفاقية السلام الشامل"، في العاصمة الكينية نيروبي . جمعتْ تلك الاحتفالية أطرافاً من المجتمع الدولي، ليسَ فقط ليشهدوا الحدث التاريخي الذي سيوقف نزيف الحرب الأهلية في السودان ، بل ليضع أمر استقرار البلاد واستقراره بيد بنيه، عبر استفتاء لتقرير المصير، ليبقى بعده السودان متماسكاً أو يجنح إلى التشظّي منقسماً إلى دولتين. . بَصَمَتْ جميعُ تلك الأطراف الحاضرة على الاتفاقية التاريخية: الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي و"الايقاد" والجامعة العربية والأصدقاء من "العالم الأول"، الذين سعوا لإخراج الاتفاقية من وراء ستار : الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج وسواهم.

بعد سنوات سِت، جرى استفتاءٌ وفق تلكم الإتفاقية، قاد إلى انفصال جنوب السودان إلى دولة مستقلة، لكنها ولدتْ خلواً من المؤسسات والمقوّمات التحتية، فصنّفتْ دولة فاشلة برغم غناها من مخزون النفط .


(2)
في العراق الذي أوهنته الحروبات والاقتتال فهو إلى حالٍ من الضعف السياسي أقرب، باتتْ معه مساعي انفصال أكراد العراق إلى دولة مستقلة، أمراً حتمياً. ولربّما تتبعه محاولات لانقسامات شبيهة في بقية أطراف العراق، لن تكون في علم الغيب ، بل هيَ أقرب إلى إحداث تشظٍ وشيك في بلاد دجلة والفرات ، ذلك الذي بلغ فيه الاصطفاف الطائفي بين"سنة" و"شيعة" حدوداً مخيفة، وتهاوى الانتماء الوطني فيه أو كاد..
في المغرب العربي، لا تنقطع الأنفاس لإنشاء دولة تنفصل عن المملكة المغربية في "الصحراء الغربية". ثمّة استفتاء معلق حتى تاريخ كتابتي ، ولم يتقدم خطوة للأمام منذ عقود خلتْ، ربما بسبب الإرادة المغربية التي دفعتها ميول الأفارقة نحو الاعتراف بـ"الصحراء الغربية"، إلى الخروج من "الاتحاد الأفريقي" منذ سنوات.
أما في سوريا واليمن ، فالتداعيات تشير إلى تصارع قد يفضي أيضاً إلى انشقاقات وانقسامات على خطوط اختلافات عقائدية، وأن احتمالات الانهيار المتنامي لن يقف عند حدود. أما الصراع العربي الإسرائيلي فقد تراجع إلى خسارات بينة وصار صراعا بين فصيلين فلسطينيين. يظل اختلاق التشظي سِمة أقدار شعوب "العالم الثالث". .


(3)
دعنا ننظر بعين الطائر في الأحوال الشبيهة في "العالم الأوّل".
لم يذهب إقليم "كويبيك" في كندا إلى انفصال بعد استفتاءٍ شهير جرى مرتين في عام 1985 وفي عام 1995.. برغم ضعف القواسم المشتركة بين كيانين "انجلوفوني" وآخر "فرانكوفوني"، إلا أن الشعب في كندا، أدرك مافي التنوّع من نعم ومن خير ، فاختار التماسك لا التشظّي. نظرتْ كلٌ من بريطانيا وفرنسا إلى الأمر بعيون الرضا.
هنالك قصّة استفتاءٍ آخر شبيه، تضمن دروساً ذات اعتبار. لقد أجرت المملكة المتحدة استفتاءاً في "اسكتلندا" عام 2014، ولـ"اسكتلندا" كما قد نعلم، من المقوّمات ما يؤهلها لانفصالٍ سلس عن تلك المملكة العتيقة، مصيراً يعزّزه التاريخ وتدعمه تباينات الثقافة والاجتماع والاقتصاد، والاسترليني المختلف. لكن لم يفضِ الاستفتاء إلى إنشاء دولة مستقلة إسمها "جمهورية اسكتلندا". المجتمع البريطاني بل والدولى بمؤسساته وآلياته، لم يكن متهيئاً لانفصال في "اسكتلندا". والحال في "إيرلندا الشمالية" وفي "ويلز"، لا يختلف عن "اسكتلندا"، في كثيرِ شيء. في "بلفاست" كما في "كارديف"، ذهنية مختلفة ولسان مختلف ، ولكن الحديث عن نوايا لانفصال، يظلّ همساً لا يخرج إلى العلن.
أمّا الخروج المدوّي الذي انتوته بريطانيا من "الاتحاد الأوروبي"، عبر "البريكست"، فقد هزّ أوروبا التي جهدتْ، عبر عقود من العمل المشترك، للوصول إلى تماسكٍ واتحادٍ ، يؤهّل "القارة العجوز" لتجدّد شبابها ، فتكون كياناً فاعلاً ومؤثراً في عالم تتهدّده تحديات عالمية، في الاقتصاد وفي نقصان الموارد، وفي التسابق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي البيئة والمناخ، وفي القيم الإنسانية المشتركة. شكّل "البريكست" صدمة هزّت الاتحاد الأوروبي.
أما قصة الإرهاب الدولي، فقد اعتمدها "العالم الأول"، ذريعة حاسمة لإحداث التغييرات المطلوبة في جغرافيا السياسة الدولية وخرائطها، تلك التي تخدم مصالحه الضيقة، على حساب مصالح الآخرين الضعفاء في الضفة الأخرى.


(4)
بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، واتضحت الصورة التي عليها أحوال المجتمع الدولي، بدا فيها "الأقوياء" مدفوعين بأطماعٍ تستهدف الثروات المخزونة في عالم الضعفاء". لم يعد ترتيب أوضاع العالم ورسم جغرافيته الجديدة، رهناً بيد وزير أو وزيرين، بمثل ما حكى التاريخ- مثلاً- عن الوزيرين البريطاني "سايكس" والفرنسي "بيكو"، بعد الحرب العالمية الأولى . إن إضعاف "الصغار"، يتمّ عبر ذرائع شتى، يستنبطها "الكبار" من الاتفاقيات والقوانين الدولية، والتي قد يتم تجاوزها عبر اتباع وسائل وإجراءات أحادية، أو بافتعال الفتن وصناعة بؤر النزاعات والصراعات، بين الضعفاء من أمم الأرض. لك أن تستعيد كيف تمّ استدراج نظام العراق في التسعينات وأوائل الألفية الثالثة، لمواجهات مدمّرة، بدعاوى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وقد كانت تلك أكذوبة لا أكثر.
إن "الربيع العربي" الذي هللنا له، وحسبتْ شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن رياح التغيير التي تستهدف تحقيق مجتمع الديمقراطية والحريات، ستقضي على حكم الطغاة قضاءاً مبرما، فوقع خذلان كبير. تحوّلت الرياح في عاقبة سيئة إلى جراح. ظلّ "الربيع العربي" ثغرة نفذت عبرها أجندات الطامعين، فكأنّ الكولونيالية القديمة، جاءت إلى "العالم الضعيف" بلبوسٍ جديد، وبدعاوى مراوغة ، أقلها وأخطرها، دعاوى محاربة الإرهاب الدولي. .


(5)
إنّ سياسة الاستضعاف ستحاصر "العالم الثالث"، حصاراً محكماً، كما سيتواصل حرص الأقوياء في "العالم الأول" ، حرصاً مستميتاً على تماسك جبهاتهم ووحدة صفوفهم. إن نظرت بعين الطائر، سترى الصعاب تكتنف مسيرة "البريكست"، الذي قدّر له أن يُخرِج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي بتفاوض متوازن وبكرامة مصانة.
ولك أن تنظر كرّة أخرى، فترى بعينيك كيف تعثر استفتاء "كاتالونيا" لتحقيق انفصال الإقليم، برغم الأغلبية التي رجّحت إنشاء دولة جديدة في أوروبا. يتردّد الاتحاد الأوروبي، بل يقف بحزم ضد إعلان كاتالونيا استقلالها بقرار أحادي.
في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، يطلب الأكراد دولة مستقلة عبر استفتاء مزلزل ، أخاف أطرافاً في الأقاليم المتاخمة، ولكن إنشاء دولة كردية، قد يتحقق بأي شكل من الأشكال.
قد يطول التفاوض حول "البريكست"، إلى ما لا نهاية قريبة، وقد يطول جدل الانفصال حول "كاتالونيا" في إسبانيا، أما الدولة الكردية، فهي قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال.. وأعيد عليك عبارتي أوّل مقالي : التماسك لهم والتشظّي لنا. .


نشر في صحيفة الرأي العام -31 أكتوبر 2017