أيها الأحباء،

بداية لا بد من توجيه الشكر للجالية السودانية بلبنان على هذه الدعوة الكريمة.
قد ينقص كلمتي الكثير من الضوء ان لم استهلها بشيء من محبة أهل لبنان لأهل السودان وبالعكس.
ونحن ما لاقينا سوى الطيبة والأمانة والقلوب العامرة بالايمان والقلنصوات البيضاء. هذا جل ما لاقينا، وما أجمل ما لاقينا.
خمسون عاماً على تأسيس النادي السوداني، يستحق الأمر التحية، وعلينا أن نرعى ذلك الحنين، ونبني على الأمل لأيام تخبئها الشمس. ولكن اسمحوا لي قبل الدخول في عالم رواية " دفاتر القبطي الأخير" أن أقول كلمة طيبة بالصديق السفير جمال محمد ابراهيم، والشهادة مجروحة جرحتها الأيام، فقد اشتركنا معاً فترة أيامه كسفير مميز في لبنان، بعدة مغامرات ثقافية. أذكر منها نشر روايته " دفاتر كمبالا"، وبحثه "الدبلوماسية الكولونيالية"، واستضفنا في بيروت الشاعر السوداني المميز "عالم نور"، وصدر له كتاب "في انتظار الكتابة"، وأحيا أمسية قدم فيها شاعر كبير في لبنان هو الأستاذ "شوقي أبي شقرا". وتشاركنا في وداع الروائي السوداني الكبير الطيب صالح عام 2009 ، في بيروت المدينة التي أحبها واطلقته إلى العالم، وأبت الاقدار إلا أن يمرّ فيها جثماناً في مطار بيروت، قبل ان يوارى الثرى في تراب السودان وقلوب محبيه.
ومع جمال محمد ابراهيم ، في كل مرة تعقد الثمر، ويحمل مستحقاً وسام الأرز اللبناني .
يروي جمال محمد ابراهيم في روايته "دفاتر القبطي الأخير" سيرة المسامحة أو "المسالمة" في مدينة التراب: "أم درمان"، سيرة قبول الآخر المختلف . الآخر الذي هو أنا وأنت. وكم تمنيت وأنا أقرأ ، لو أن كلّ المدن والحواضر العربية، فيها شيء من روح "أم درمان". صورة الفن والتنوع والوحدة. الذات والآخر في كيان كينونة واحدة.
السرد هنا كلام يساوي الحياة. إطّلع الراوي على كراسات القبطي القديم بطرس ميلاد سمعان. وكتب متدفقاً حتى اشتبكت دموع في عيون، فإذا رطوبة العين من رقراق القلب. وإذا الكلام بعض تنهّدات الروح. سمعنا الصرخة ضد الظلم الواقع، على رأس القبطيّ القديم الذي خدم بلده متفانياً، وفي عزّ ازمته المرضية، يُستغني عن خدماته ويُترك في براثن الحجود والنكران وفي أشداق الموت. الظلم لا يحتمل تقول فيروز بكلام الرحابنة: "اذا وقع الظلم بتضيق الارض".
يطرح جمال محمد ابراهيم قضية مهمّة وأساسية في روايته، ويرفع سؤالاً صعباً. كيف يمكن أن نرفع الظلم عن من أصابه الظلم في بلادنا.
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً على النفسِ مِن وقع الحُسامِ المُهندِ ، يقول الشاعر.
كيف نرفع الظلم؟ بأن نبني المجتمع، ونبني دولة القانون والمؤسسات، وان نبني المواطنة والإنسان. أن نكون اخوة حقاً بلا فضل أو امتياز. ذات مرّة أوجعني كلام الشاعر المصري القبطي "مينا مجدي" حين قال: "والله يا مصر انا مش عارف انت أمي ولا مرات ابويا". وبطلنا عزيز سمعان بطرس سوداني قبطي لطائفته جذور في التراب، وفي أغصان الكرمة.
أشهد ان من قرأ هذا الكتاب، يرى طبقات الذاكرة والنسيان والالم تتراكم وألواح الصور تنكسر وتلتئم، وسيدرك أن البطولة أولاً وأخيراً، أن يكون الإنسان في مكانه في الدنيا، عزيزاً كريماً راضياً، عن كل مستويات التعامل معه كأنسان في المجتمع والدولة والمؤسسات. والحمدلله أن هذه الدفاتر لم تذهب بها الريح بل حفظتها أوراق الكتاب في سردية حاذقة متقنة مكثفة مدوّنة، في قوامٍ بارع من حيث الحبكة والصباغة الفنية والجمالية. كل حكاية هي رواية وكل رواية هي اختراع جديد للحياة. وكلّ رواية هي سيرة ذاتية، على حد قول موديانو، وكل سيرة ذاتية هي محاولة للهرب من كتابة الرواية. وأسال: هل كان الروائي منشغلاً بصورة لبطلة أم بصورة لنفسه؟ .
القاص والروائي المصري يوسف إدريس قال غير مرة للطيب صالح " أنا لما أقرأك أحسّ بالونس". وجمال محمد ابراهيم يشعرنا فيما يكتب بالامتاع والمؤانسة. ويكتب بلغة شعرية مترعة بالحنين والأشواق والأسى. يكتب رواية عامرة بالتشويق والسلاسة، ويمتزج فيها الواقع والمتخيل امتزاجاً خلاقاً. حاول جمال محمد ابراهيم أن يقاسم قارئه رغيف الخبز، وأن يشاركه حسناً سقاه ما استطاع من ماء الزهر وألبسه ما استطاع من خميلة الحرير وفوحه بين يديه، حتى هبت رائحة الياسمين.
روايتك فيها أحزان تتحاذى، ومواجع تتفتح، وأزمنة تتصل وتنفصل وأصوات هامسة تكظم الغيظ، وكآبات وعزبة وحنين، وأناس يتألمون ويمسكون فتلطف وتقطف ببعضهم، وكأنك تتمشى على شواطئهم وتتنزه في قلوبهم. رشيق وشيق ولا ارتباك على بيانه. بل يرسل حيث يجب وينقطع الى بساطة محببة إذا دعته الحال. وينتقل بك بيراعه إلى سرد مستعذب على غير استعصاء. انها ميزة أهل الاجادة والإبداع في التأليف. ثمة نقطة أثارها جمال محمد ابراهيم ، وهي اصالة الذين عاشوا قبلنا بأفكارٍ بسيطة. نظروا الى الحياة والانسان والوطن وما فرقوا او افترقوا ولا غابوا او رحلوا. يحنّ جمال محمد ابراهيم، حنيناً صادقاً إلى ذلك الزمن الذي صنعه أناس قلوبهم من نور، وعقولهم من ذهب، وارادتهم من حديد. أعطوا وأحبوا وبنوا وعاهدوا وصنعوا القيم، بلا اسئلة او عقد. وقفوا مثل شجر الشوارع. مثل التراب في "مدينة التراب"، مثل الأيام، وآمنوا بما قصده المتنبي " لا يمكن المكان الرحيل".
انا مثلك يا صديقي، اسأل أن يكون لنا في الزمن بعض ما شهدناه وما عشناه في الزمن المنصرم، وأعجبنا بأهله ورواده، فلا تفرّق السبل بين مودات ترسّخت على الوفاء، وتأكدت أسبابها على المحبة (محبة الآخر ومحبة الوطن) ورستْ إلفتها على قرن مضطرب من الدهر.
وأختم برأييّ أنه لا يمكن التخلي أبداً عن فكرة المسامحة والمسالمة النبيلة لعدم وجود حلٍّ آخر، ليس لمآزقنا فقط ، بل لتاريخ البشرية برمته. .


*الأستاذ سليمان بختي أديب ، يراوغ النقد ويراوغه، كما يدير داراً للنشر ذات صيت في بيروت.

//////////////////////