أقـرب إلـى القـلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
"أنظر خلفك في غضب"، للكاتب المسرحي "جون أوزبورن"، من مسرحيات خمسينات القرن العشرين في بريطانيا. في حنينه لسنوات الخير القديمة، خلال حكم الملك "إدوارد" في سنوات الثلاثينات، والامبراطورية في عزّها الذي لم تغب عنه الشمس، يعبّر بطل المسرحية عن حنينه لتلك الأيام الضائعة، والتي شهدت نجومية والده الضابط، مثلما شهدتْ إحباطاته في السنوات اللاحقة، إذ هوَ بشهاداته العالية، لم يجد عملاً يليق، فأورثته غضباً لا يجد له متنفساً ، إلا في زوجته التي لا ذنب لها، فيلهبها بغضبه غير المبرّر.
حَســِبَ "ترامب"، أنْ لو صبّ جام غضبه على سلفه "أوباما"، بمثلما فعل بطل "أوزبورن"، فإنه سيعيد لأمريكا مجدها . .
(2)
لا .. لستُ متفائلاً ولا حتى متشائلاً، بل إنّي متشائم غاية التشاؤم، من مآلات الأمور، بعد انقضاء فترة اختبار حسن السير والسلوك، التي منحتها الإدارة الأمريكية للسودان، والتي تنتهي عملياً في الثالث عشر من يوليو 2017. ثمّة عوامل تتصل بتغيّيرات كاسحة، شهدتها المرحلة الحالية في العلاقات الدولية ، كما ثمّة تغييرات تتصل بسلوك الرئاسة الأمريكية ، و ثمّة أمور ثالثة أخرى، تتصل بأحوال السودان، وهو ينتظر تقييم أدائه، سلباً أو إيجاباً، خلال فترة الإختبار.
هذه القراءة، فيما أرى، لن تساعد على التفاؤل ..
لنْ يقبل حديثي فُعّال الخير ، هنا أو هناك، وقد يبتئس ذوو النوايا الحسنة ممّا أقول. عبرة حديثي ليست في خواتيمه ، بل هيَ طَي المُقدّمات التي أعرضها . هيَ مَحض رؤية، قد يخطيء صاحبها أو يصيب، ولستُ طامعاً حتى في أجر الاجتهاد...
(3)
تتصاعد وتيرة الإرهاب الدولي، خلال فترة الإختبار المشار إليها، وإن كان السودان بعيداً عنها ولا صلة له بها ، لكن ذاكرة المجتمع الدولي، لا تفتأ تستدعي أن "أيقونة" الإرهاب الدولي ، بعد 11 سبتمبر2001، هو "أسامة بن لادن". أمضى "بن لادن" ردحاً من سنوات نضجه الفكري والتنظيمي في السودان، ثمّ خرج منه ليغير تاريخ العالم بسلاحِ "القاعدة" التي أنشأها ، فيصير عرّاباً للإرهاب الدولي .
العمليات التي جرى تصنيفها في الأسابيع الأخيرة، ووقعتْ في أوروبا، هي عمليات إرهابٍ دوليّ، لم تكن تحتاج لفكر أناسٍ مثل "بن لادن" أو "أبوبكر البغدادي" ، ولا لتمويلٍ تتولّاه بكرمٍ زائد، دولة من دولِ الشرق الأوسط . أنظر لحالة السائق الذي دهسَ بحافلته عدداً من الأبرياء، عند جسر لندن قبل أسابيع. أنظر كذلك، إلى حالة السائق الذي دهس المصلين خارج المسجد في لندن، خلال أيام رمضان. يدرك العقلاء أن طبيعة الإرهاب الدولي، أعمّ من أن تحصر على المسلمين ، وأقلّ تكلفة من أن تموّلها دولة أية دولة، غنية كانت أم فقيرة. .
برغم ذلك فإنّ أجندا الإرهاب الدولى، تكاد أن تصير مبتدأً للحرب العالمية الثالثة، بوجوهها الفكرية، تماماً مثل ما كان اغتيال "أرشيدوق" النمسا عام 1914، سبباً في اشتعال الحرب العالمية الأولى ! الصراع بين أطراف القارة الأوروبية، كان على أشدّه، لكن مقتل "الأرشيدوق" أشعل الشرارة.

(4)
لكن هل يحكم العالم أناسٌ عقلاء ، أم أننا أمام قوىً عُظمى تمسك برقابها قيادات لا يوثق بها ، بل هيَ من نوع القيادات المخبولة التي عرفتها ، بعض بلدان العالم الثالث، وفي قارتنا الأفريقية على وجه الخصوص ، قبل عقود . .؟ الأكاديمي البريطاني "ريتشارد إيفانز"، مؤرّخ تاريخ أوروبا في القرن العشرين، يكتب مقالا في مجلة "فورين بوليسي" المرموقة، بتاريخ 13 يونيو الحالي ، متسائلاً عن جنون "ترامب"! ولا يجد حرجاً في إجراء مقاربة بين "ترامب" وبعض القادة الذين وصفوا – في تقديره- بجنون العظمة، إن لم يكن بالغباء الشمولي ، مثل بعض أباطرة أوروبا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. مثلهم في بعض الدول الأفريقية قادة أفارقة، حكموا بخبال بيّن. يمثل "الإمبراطور بوكاسا" في جمهورية أفريقيا الوسطى، حالة إستثنائية من جنون العظمة، ويذكر معه الجنرال "عيدي أمين دادا" في يوغندا، ولقبه الرسميّ : "حامل الصليب العسكرى (عادة تمنحه الملكة اليزابيث الثانية)، وقاهر الإمبراطورية البريطانية العظمى". . !

(5)
ولربّما لا يكون مُتاحاً للأمريكيين، إزاحة رئيسٍ يفارق مسلكه، تلك التقاليد الرئاسية المرعيّة، منذ المؤسّسين الأوّل، ووفق دستور عتيق، تتعقد معه الإجراءات، إنْ مالت الأحوال إلى ذلك الخيار الصعب .
غيرَ أن قدر السودان أن يكون مصير استقراره، ربطاً بإدارة أمريكية ، تنطق بألسنة كثر. أمامنا أزمة الخليج الماثلة، مثلاً لتضارب الألسن، ومسرحاً مجانياً لتباين التصريحات . نحن نتابع الآن مثلما يتابع العالم كله، رئاسة أمريكية تدّعى أنها تعمل لصالح أمريكا، وأمريكا وحدها، ويصفّق رئيسها مبتهجاً مُهلّلاً، يحارب الإعلام ويستفزّ الصحافة، ويفارق مجمل تقاليد الرئاسة، وكأنّ التاريخ صار ملك يديه ويديها، وما سواهما إلى أفول . رئاسة، يحسب صاحبها أن سيعيد المجد لأمريكا، فيسلك مسلكاَ يسيء إليها، قبل الإساءة إلى الآخرين. هل يتوقع أهلُ السودان أن ترفع عنهم عقوبات جائرة، ومحاصرة غير مبرّرة ، من إدارة أمريكية بعينيها عشىً ، تعاقب شعباً مظلوما ، فيما تحسب أنها تعاقب إدارة سودانية ظالمة. . !
إنه بطل "أوزبورن"، يبعث من جديد..

(6)
وَردَ في الأخبار ، أواخر يونيو 2017 ، أنّ الرئيس "ترامب" عبّر عن إستيائه لبطءِ تغييراتٍ، كان يأمل أن تتم في وزارة الحارجية الأمريكية، على سبيل فتح صفحات جديدة ، تساعد على محو آثار الإدارة الأمريكية السابقة. ليس خافياً أنّ لـِ"ترامب" ثأراً يضمره ضد إدارة سلفه "أوباما". تفضح الرجل تهويماته في "تويتر"، ولا أقول تغريدات. يريد أن يطوي صفحة السياسة الصحية التي ابتدعها "أوباما"، وعُرفت بإسم "أوباما كير"، فيجد صعوبة في تمرير السياسة البديلة، وسط معارضة الديمقراطيين، وأيضاً أقلية من حزبه الجمهوري.
يريد "ترامب" أن يطوي صفحة التطبيع الذي أنجزه "أوباما" مع كوبا، ليعيد الولايات المتحدة القهقرى ، وليحيي سنوات الحرب الباردة من جديد، باتباع سياسات الحاصرة بكل خسرانها . إنْ صعبَ عليه بناء جدارٍ عازل بين الولايات المتحدة والمكسيك، فله أن يجرّب حظّه مع كوبا ، فلن تكلف إعادة المحاصرة شيئاً، غير طيّ العلم وقفل السفارة الأمريكية في هافانا. ذلك هو "ترامب" . نظرة الغضب على سياسات سلفه "اوباما"، لا تحدّها حدود.
لسوء حظ السودان، الذي حاصرته الإدارات الأمريكية المتتابعة، أن لا تلوح بارقة إنفراج لرفع العقوبات عنه، إلا في أخريات أيام إدارة "أوباما"، فإذا بـِ"ترامب" يفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ويعود "الجمهوريون" إلى "البيت الأبيض". لم يكن "ترامب" رحيماً بكلّ ملفات "اوباما"، فهل يا ترى سينفد ملف رفع العقوبات على السودان، من بين يديه. . ؟
(7)
لا.. ولن أكون متفائلاً ، فيما أرى ملف حقوق الإنسان وملف الحريات ، ومن قبل ومن بعد، ملف إتهام السودان برعاية الإرهاب ، ملفاتٍ ماثلة أمام إدارة أمريكية، تراك بعين الغرض ، مسكونة بأجنداتها، وّ "تحمّر ليْـك في الضّلمة"، كما يقول لساننا المحكيّ.
أسال الله أن يهدي المجانين في الإدارة الأمريكية سَـواء السبيل ، فيتراجع حدسي، ليعود إليّ بعض التفاؤل . شعب السودان وحده هو الكفيل بإزاحة العقوبات عن كاهله. .

الخرطوم أول يوليو 2017