لم يتدفق النفط القادم من جنوب السودان فى مواعين التصدير كما كان معلنا يوم 20 مايو المنصرم ، ولم يأت الرئيس سلفاكير الى بورتسودان لحضور استئناف تصدير اول شحنة كما كان مخططا له، وعوضا عن ذلك تفاجأ الناس بإتهام صريح من حكومة الجنوب لنظيرتها فى الشمال بعرقلة انسياب النفط وانها تشتبه فى ان الخرطوم اغلقت خط الانابيب من ما اضطرها الى  خفض انتاجها الى النصف تقريبا !.
واستدعت جوبا القائم بالاعمال الصينى الذى تشرف بلاده على صناعة النفط فى البلدين و ابلغته بالامر، وطبقا للناطق باسم وزارة الخارجية فى جنوب السودان، ميوين ماكول اريك فإن الديبلوماسى الصينى ابلغ المسؤوليين الجنوبيين ان الايقاف حدث لمشكلة فنية !.
لكن ميراث عدم الثقة المتراكم بين جوبا والخرطوم جعل جوبا تستريب فى الامر ولم تشف توضيحات الديبلوماسى الصينى غلة شكوكها حيث اضاف الناطق باسم خارجيتها فى حديثه السابق مع وكالة رويترز : "لكننا نظن أن المسألة سياسية. نظن أن السودان أغلق خط أنابيب النفط".
واوردت صحيفة "سودان تربيون" الناطقة باللغة الانجليزية يوم الاثنين 20 مايو المنصرم نقلا عن مسؤولين في وزارة النفط والتعدين بدولة جنوب السودان "أن أفراداً من جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الذين تم إرسالهم لتأمين العاملين في الحقل بالمنطقة أغلقوا الأنابيب وضايقوا العاملين وطردوهم".
واضافت الصحيفة "ان أحد المسؤولين - الذي طلب حجب هويته – قال: أن وزير النفط بدولة جنوب السودان اتصل برصيفه بدولة شمال السودان الدكتور عوض الجاز وأبلغه بالحادثة، ولكن الجاز أكد له أنه لا علم له بالأمر وأنه سيجري اتصالات مع مديري الحقل لمعرفة ما جرى والاتصال به لاطلاعه على ذلك ولكنه لم يتلق رداً من الجاز. فاضطر وزير النفط بدولة جنوب السودان (بحسب المعلومات) إلى إرسال فريق يرأسه وكيل ومدير عام الوزارة لمعرفة الأمر وعند وصولهم إلى الحقل وجدوا الأنابيب مغلقة بإحكام، وعلق الوزير بعدم توقعهم حدوث ذلك".
استئناف تصدير النفط الجنوبى عبر موانئ الشمال كان اهم البنود فى مصفوفة إتفاق التعاون المبرم بين البلدين بالعاصمة الاثيوبية اديس ابابا فى مارس الماضى والذى تم بضغط دولى مكثف على الطرفين لجهة انقاذ اقتصاديهما المنهكين بعد ايقاف جوبا ضخه لما يقرب من 16 شهرا نتيجة لخلافها مع الخرطوم حول رسوم التصدير.
وقام الرئيس السودانى،عمر البشير بزيارة الى جوبا فى ابريل الماضى اعتبرت عنوانا لصفحة جديدة من الصداقة و التعاون كانت الاولى منذ استقلال جنوب السودان فى يوليو  2011.
لكن العلاقة بين البلدين توترت مجددا هذا الشهر بعد اتهام جوبا للخرطوم باغتيال سلطان قبائل دينكا نقوك الموالية للجنوب، كوال دينق مجوك بمنطقة ابيى على ايدى مسلحين يشتبه فى انتمائهم لقبيلة المسيرية الموالية للخرطوم.
فى الوقت نفسه اتهمت الخرطوم جوبا بدعم الهجوم الواسع الذى شنته الجبهة الثورية على ولايات كردفان نهاية ابريل الماضى واحتلالها لبلدة ابوكرشولا بجنوب كردفان. لكن جوبا ردت بعنف على ذلك الاتهام و اعتبرته محاولة من الخرطوم لطمس دماء السلطان كوال دينق مجوك .
وتسبب التوتر بين البلدين فى ارجاء رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت زيارة معلنة للخرطوم يوم 20 مايو الجارى لحضور استئناف تصدير اول شحنة من النفط الجنوبى عبر الموانئ الشمالية واجراء مباحثات مع نظيره السودانى عمر البشير حول القضايا العالقة الى يوليو القادم.
وترافق ذلك مع طلب جوبا من الاتحاد الأفريقي تأجيل اجتماع اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بترسيم الحدود بين البلدين بدعوى عدم انتهائها من كتابة التقرير الخاص برؤيتها حول المناطق الخمسة المختلف حولها وفقا لما اورده المركز السودانى للخدمات الصحفية يوم 20 مايو المنصرم .
وكمؤشر اضافى على مستوى التراجع فى العلاقة انفض اجتماع امني عقد فى الخرطوم يومى 14 و15 مايو المنصرم برئاسة رئيسى الاستخبارات العسكرية فى البلدين دون قرار حاسم حول الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وجوبا بتهديد الاستقرار كل لبلد الاخر.
و"الخرطوم الامنية" (التى تتهمها جوبا بإغلاق انبوب النفط) هى  التي قالت ان جهازها الامنى  لديه معلومات ووثائق مؤكدة تثبت تورط جوبا فى دعم المعارضة المسلحة للخرطوم حيث تتهم بعض الدوائر في جوبا بانها تستمر في دعم مجموعات التمرد التي هاجمت فى ابريل الماضي مناطق عدة في جنوب وشمال كردفان.
وبينما اشتد الضغط العسكرى للمعارضة المسلحة على الخرطوم عقد مجلس الامن الوطنى اجتماعا طارئا برئاسة البشير كان الاول للمجلس بتشكيله الجديد وبعد انفضاضه طار وزير الخارجية، على كرتى ومدير جهازالامن والمخابرات، محمد عطا الى جوبا حاملين رسالة من الرئيس البشير الى نظيره سلفاكير تحمل "انشغالات الخرطوم من دعم جوبا للمجموعات المتمردة عليها" وفى الوقت نفسه اكدت الخرطوم ان ما حدث لن يؤثر على التزاماتها بتنفيذ اتفاق التعاون المبرم بين البلدبن وعلى رأس ذلك الالتزام بأنسياب سلس للنفط الجنوبى الى موانئ التصدير السودانية طبقا لكرتى.
النتائج الظاهرة للزيارة وفقا لتصريحات كرتى كانت ايجابية وحملت التزاما من سلفاكير بامن السودان، بعد يومين فقط وفى مناسبة تخريج لضابط الجوزات و الجنسية فى الجنوب يوم 21 مايو المنصرم  افصح سلفاكير عن ما دار بينه وبين موفدى الرئيس البشير خلف المكاتب المغلقة أن تطبيع العلاقات يتراجع إلى الوراء وأن الزيارة الأخيرة لكرتى وعطا إلى جوبا يوم 18 مايو المنصرم انحصر النقاش فيها عن الحرب في النيل الأزرق وجنوب كردفان واضاف كير أن الخرطوم تريد تحميل جوبا مسؤولية حربها الداخلية فى المنطقتين، وتطلب منها طرد كل السودانيين الذين ينشطون في مجال التجارة بالبلاد".ومع ذلك ابدى سلفاكير التزاما بتنفيذ مصفوفة اتفاق التعاون الموقعة بين البلدين.
وانزعجت "الخرطوم الدبلوماسية" التى تكافح من اجل إتقاء غضب المجتمع الدولى وسيف قراراته المصلتة على رقبتها انزعاجا بالغا من ردة فعل سلفاكير و حكومته و تجلى انزعاجها ذلك فى التنوير العاجل الذى قدمته الخارجية للسفراء الغربيين المعتمدين لديها واجتهدت ان تفند فيه التهم الموجهة اليها بأغلاق انابيب النفط و مطالبة جوبا بطرد السودانيين العاملين فى التجارة بالجنوب.
وبينما عكف البلدان فى لملمة تأخر تصدير النفط وارجاع الاسباب الى مشكلة فنية حسبما اكد وزيرا النفط  السودانى عوض الجاز والجنوبى، ستيفن ديو داو بعد مباحثاتهما العاجلة فى الخرطوم يوم الخميس 23 مايو المنصرم  لكن الوزيرين امتنعا عن تحديد متى ستصل أول شحنة من نفط الجنوب إلى بورتسودان لكن وزير خارجية السودان علي أحمد كرتي قال لرويترز: إن ذلك قد يحدث الأسبوع القادم . و تصرم الموعد الذى توقعه كرتى وبدلا من ان تصدر الخرطوم اول شحنة من نفط الجنوب صدر الرئيس البشير الى جوبا شحنات من الغضب عشية دخول قواته الى بلدة ابوكرشولا مهددا الجنوب اذا ما عاد الى دعم المعارضة المسلحة لحكمه بقفل انابيب النفط نهائيا !.
وفى الحال تبدلت لهجة الخرطوم من الديبلوماسية الى الخشونة وسار مسؤولوها على سير رئيسهم البشير ورهن وزير النفط ،عوض الجاز فى حديثه لبرنامج مؤتمر اذاعى بأذاعة ام درمان يوم الجمعة 31 مايو "انسياب النفط الجنوبى عبر الاراضى السودانية بوقف جوبا دعمها للمعارضة السودانية المسلحة" .
وبالرغم من ان سلفاكير فى حديثه اما حفل تخريج ضباط الجوازات و الجنسية فى الجنوب ، ابدى عدم تفاؤله من استئناف تدفق النفط عبر الخرطوم وقال "فلتغلق الخرطوم انبوب النفط لقد بقينا وقتا طويلا بدونه ولن نعجز عن البقاء فترة اخرى حتى نجد حلا بعيدا عن الخرطوم" لكن جاء حديث وزير الاعلام و الناطق بأسم حكومة الجنوب ،برنابا مريال بنجامين اكثر هدوئا وعقلانية وهو يتحدث الى وكالة الصحافة الفرنسية فى اليوم التالى لتهديد البشير : "النفط لمصلحة الدولتين إذا أغلقوه حرموا شعب السودان وجنوب السودان من مصدر يهدف إلى تعزيز الاقتصادين" .
وواضح ان اتفاق التعاون المبرم بين البلدين يراوح مكانه وتلعب كل من الخرطوم وجوبا كل مع الاخرى لعبة "عض الاصابع" فى انتظار من سيصرخ منهما اولا رغم صراخ شعبيهما معا من فرط الضائقة الاقتصادية ومناشدات الاسرة الدولية لهما بأن يغلبا مصالح شعبيهما اولا، فالخرطوم منذ الجدل على ايام احتلال هجليج فى ديسمبر الماضى بأن جوبا تريد ان تخوض معها معركة استنزاف وانها مستعدة لمنازلتها عمدت الى التلويح بقانون رد العدوان وفرضت حصارا اقتصاديا على جوبا منعت بموجبه حركة التجارة عبر الحدود واعطت الاوامر لقواتها النظامية على لسان النائب الاول للرئيس ،على عثمان محمد طه بقتل كل من يعمل على تهريب البضائع الى داخل حدود الجنوب. ولم تفتح الخرطوم المعابر الحدودية حتى الان رغم ان ذلك كان احد البنود المهمة فى اتفاق التعاون المبرم بين البلدين فى مارس الماضى ولا زال نقل البضائع الى الجنوب يمثل جريمة يعاقب عليها القانون السودانى.
وتخشى الخرطوم من ان تدفق النفط ربما تعود عائداته عليها، فى غياب اتفاق امنى واضح ومحكم مع جوبا، بمزيد من الدعم للمعارضة المسلحة النشطة للغاية ضدها هذه الايام. ومع ان جوبا تنفى تقديم الدعم للمتمردين لكن تقريرا صدر مؤخرا عن "مشروع مسح الاسلحة الصغيرة" وهى مؤسسة سويسرية مستقلة ومقرها جنيف  أشار إلى أن "جنوب السودان أمد المتمردين فى السودان بدعم لوجستى وسياسى ومالى لكن لم يمدهم بأسلحة" لذا ربما تخشى الخرطوم ايضا من ان تنعش عائدات النفط اقتصاد الدولة الوليدة فتزدهر تجارة السودانيين من ابناء دارفور الذين ينشطون فى الجنوب، فالعقل الامنى فى الخرطوم كان ولا يزال يعتبر النمو الاقتصادى لابناء دارفور احد مهددات الامن القومى حيث تتهمهم الخرطوم بتمويل الحركات المسلحة وليست تجربة سوق ليبيا الذى تغيرت خارطة التجار فيه ببعيدة عن الاذهان، لذا كان تركيز كرتى ومحمد عطا على التضييق على النشاط التجارى لمن يعتبرونهم جزءا من العمل المسلح المعارض للخرطوم فى الجنوب.
وتحول جنوب السودان فى عقل النخبة الحاكمة فى الخرطوم الى احد اكبر مهددات الامن القومى للسودان من وجهة نظرهم استنادا الى الوجود الاسرائيلى النشط و الآخذ فى النمو بالجنوب.
فى المقابل لا تأمن جوبا جانب الخرطوم .. فقد صنف الجيش الشعبى باكرا وفى ورشة عقدها بجوبا قبيل الانفصال لتحليل مهددات الامن القومى لجنوب السودان، صنف شمال السودان باعتباره العدو الاول واكبر مهدد لامن الجنوب وذلك لدعمه المليشيات المسلحة فى الجنوب وللافكار التى يعتنقها قادة الشمال وتعتبر معادية لتوجهات الجنوب الافريقانية العلمانية، ولأطماع وعدم قناعة لدى بعض مؤسسات الدولة العميقة فى السودان بأستقلال الجنوب. لذا قد يكون انسب خيار لجوبا ان يسقط النظام فى الخرطوم على يد حلفائها الاستراتيجيين فى الجبهة الثورية و يستبدل بأخر غير معاد لها.
وازاء انسداد افق العلاقة بين البلدين بهذه الصورة قال وزير الخارجية الامريكى جون كيرى يوم السبت 25 مايو المنصرم انه سيعمل مع الاتحاد الأفريقي لوضع حد للعنف على الحدود بين السودان وجنوب السودان، مشيراً إلى أنهما يمران بمرحلة حساسة للغاية، ومن المهم أن يساعدهما المجتمع الدولي للتركيز على التطوير في المستقبل، وليس القتال حول قضايا الماضي. فهل تمتلك واشنطن رؤية فعالة وتجد القبول عند الطرفين من اجل ذلك ؟.. ام يعقل البلدان وخاصة الخرطوم انهما مثل الروح والنفس فى الجسد الواحد ولا خلاص لهما سوى بالعيش بإخاء ومحبة ؟ او كما قال الاستاذ محمود محمد طه .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.