عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
فى نوفمبر من العام الماضى ذكر لنا ، مسؤول رفيع فى الحكومة و فى عضو بالمكتب القيادى لحزب المؤتمر الوطنى ، وعضو فى البرلمان ، فى حديث خاص بمكتبه  ، انهم منذ صدور مذكرة المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية ، لويس مورينو اوكامبو ، التى طلب  توجيه الاتهام ، للرئيس البشير بأرتكاب جرائم فى دارفور ، فى الرابع عشر من يوليو  العام الماضى لم يدخل اى اجتماع على مستوى الحزب او الدولة لمناقشة اى قضية اخرى غير ازمة المحكمة الدولية ، و قال انه طرح مناقشة مسألة مهمة مثل الازمة المالية العالمية و انعاكساتها المحتملة على البلاد و لكنه لم يجد اذانا صاغية لذلك .
و يبدو ان استفحال ازمة المحكمة الجنائية الدولية مع الحكومة لتبلغ ذروتها بصدور امر القضاة ، اربك كامل جهاز الدولة و خاصة التنفيذى منه ، و المتصفح لصحف الخرطوم و الناظر لوسائل الاعلام الاخرى المملوكة للدولة  منذ صدور القرار يجد ان ملابسات و تداعيات القرار قد استأثرت بنحو 80 - 90 % من المادة المنشورة او المبثوثة ، و ليس ادل على حالة الارباك هذه  ذلك من حديث نائب مدير قوات الشرطة ، الفريق عادل العاجب الذى تحدث فى مؤتمر لجنة الامم المتحدة للمخدرات ، بالعاصمة النمساوية فينا ، و الذى ربط بين قرار المحكمة الجنائية الدولية ، و انتشار المخدرات فى البلاد ، و قال بالحرف الواحد (قرار المحكمة الجنائية الدولية سيحول البلاد الى بؤرة تزدهر فيها تجارة المخدرات) ! . و لدى النظرة الاولى قد يبدو مستغربا ان تجد رابطا بين قرار جهة قضائية دولية و انتشار تجارة المخدرات فى بلد ما ، فالبداهة تقول ان مكافحة الاتجار بالمخدرات هو من صميم واجبات الدولة ، و فى الوقت نفسه فأن القرارات الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية حتى الان  هى قرارات ضد مسؤولين فى الدولة  السودانية . فالتوفيق المتعسف بين انتشار المخدرات و قرارات المحكمة من منصة مؤتمر دولى ذى طبيعة مهنية فنية بحتة  ترعاه الامم المتحدة ، يعطى رسالة خاطئة للعالم دون حساب دقيق لذلك ، ان الحكومة تساوم المجتمع الدولى فى ان قراراته الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية ، قد تطلق عنان الفوضى فى البلاد الامر الذى يؤدى الى انفلات ليس فى امكانها السيطرة عليه ، وهى اشارة اذا ما صدرت من مسؤول سياسى و فى امر اخر غير تجارة المخدرات ، قد تكون مقبولة الى حد ما فى اطار الابتزاز و الابتزاز المضاد الذى تمارسه الحكومات الغربية على الحكومة ، لكن ان تصدر من مسؤول مثل نائب مدير الشرطة وهو على رأس جهاز دولة عريق يفترض فيه الاحترافية و المهنية بعيدا عن التسييس، يمكن ان يثير استفاهمات كثيرة حول التقديرات التى بنى عليها تحذيره .
فوفقا للسياق العام لحديث الفريق العاجب ، فأن من شأن قرارات المحكمة ان تهدد الاستقرار فى البلاد و بالتالى تضعف سيطرة الحكومة على الاوضاع فى البلاد ما يجعل افلات تجار المخدرات امرا واردا ، لكن هذه الفرضية تصطدم بالاتهامات المتكررة الصادرة عن الحكومة للحركات المسلحة بالاتجار فى المخدرات و تمويل انشطتهم منها ، و ان بعضهم –الحركات- محض قطاع طرق و جماعات نهب ، و ان مساعيها للقضاء على التمرد تأتى فى ذلك الاطار لتأكيد مبدأ سيادتها على اراضيها و انها الجهة الوحيدة المحتكرة لحق استخدام العنف المشروع . فالحكومة بذلك تؤكد على حقيقتين ، الاولى  ان الحالة فى دارفور تمثل تهديدا خطيرا للسلم و الامن الدوليين كما وصفها مجلس الامن بذلك و احال امرها الى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 تحت الفصل السابع ، على اعتبار ان الانفلات الحادث فى الاقليم المضطرب مما يستوجب اعمال يد العدالة الدولية فيه كشرط لازم من اجل اعادة الاستقرار ، كما تؤكد على وجاهة المنطق الذى اصر بموجبه المجتمع الدولى نشر قوة حفظ سلام مشتركة بين الامم المتحدة و الاتحاد الافريقى  فى الاقليم لمقتضيات حفظ الامن و حماية المدنيين و جلب الاستقرار .
و الحقيقة الثانية التى قد تبدر للاذهان ، ان الحكومة وفقا لتحذير نائب مدير الشرطة هذا ، ترسل رسالة الى العالم مؤداها انه إما أن توقفوا اجراءات المحكمة الجنائية الدولية ، و اما اننا غير مسؤولين عن مهامنا الاساسية كدولة لها التزامات بحفظ الامن و الاستقرار داخل حدودها و على مستوى الاقليم ، فأذا كانت اجهزة الدولة الشرطية و الامنية قادرة حتى الان فى ظروف الحرب المستعرة فى دارفور على مكافحة المخدرات وفقا لقدراتها ، فما الذى يمنعها اذا ما اصدرت هيئة قضائية دولية امرا بتوقيف الرئيس ؟ ! ، إلاّ ان يكون مثل هذا القرار يمنع اجهزة الدولة عن اداء مهامها فى ملاحقة تجار المخدرات و عصابات النهب و قطاع الطرق من عناصر الحركات المسلحة كما تتهمهم الحكومة نفسها .
 ووفقا للمؤشرات  الصادرة عن مراكز الابحاث الدولية و المعتمدة من قبل الامم المتحدة   فى تعريف فشل الدولة و بالتالى تبرير التدخل الدولى المباشر  فى شؤونها ، انتشار تجارة المخدرات فيها ، و عجز السلطات فيها عن السيطرة على حدودها ، وعن مباشرة مهامها الاساسية فى توفير الامن لمواطنيها و لجيرانها ، و فى انتشار الجماعات المتفلته فيها و عدم احتكارها لحق استخدام العنف المشروع .
 وغير ذلك فان انتشار المخدرات فى البلاد سابق لقرار المحكمة و متعدى لحدود دارفور ، فوفقا للسمنار الذى نظمته اللجنة العليا  لمكافحة المخدرات فى يوليو من العام الماضى ، اوضح مدير ادارة مكافحة المخدارات المركزية ، اللواء ، الدكتور حامد منان ان دراسة قامت بها ادارته اثبتت ان 80 % من الطلاب بولاية الخرطوم يتعاطون المخدرات و ذك طبقا  لما اوردته صحيفة (الوطن) فى ذلك الوقت .
و غير حديث الفريق العاجب ، فأن الحديث الذى ورد فى الايام الماضية عن مدير الشرطة الذى توعد فيه مناصرى الجنائية بالطرد من البلاد ، كان لافتا ايضا لجهة ان الشرطة هى المؤسسة التى خولتها الدولة سلطة اعطاء الوثائق الرسمية مثل الجوازات و الجنسية و البطاقة الشخصية و اعمال السجل المدنى ، باعتبارها مؤسسة دولة تنفيذية غير مقيدة بالتقلبات السياسية ، و يمكن ان يفهم من حديث المدير انه قد يتم نزع الجنسية من اى مواطن يؤيد المحكمة الدولية ، خاصة و انه اشار فى حديثه الى ان مناصرى الجنائية (فاقدى العزة و الكرامة و يجب الا يكونوا بيننا) . و معلوم ان تأييد المحكمة الجنائية يمكن يدخل فى اطار الرأى السياسى ، او الرأى القانونى ، او من باب الغبن بالنسبة للضحايا ، و كل ذلك من ما كفله الدستور الانتقالى . فهل  يمثل  ذلك موقفا يمكن ان يجد المواطن نفسه به خارج حدود الوطن ، او مسلوب الهوية بسببه ؟ ، و يمكن ان يقرأ حديث مدير الشرطة مع ما ورد عن اتجاه البرلمان لاجازة قانون ينص على منع محاكمة السودانيين خارج بلادهم ومعاقبة من يتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية بالسجن لمدة اقصاها 15 عاما . و كان مدير جهاز الامن و المخابرات قد ، شكا فى ورشة الوجود الاجنبى و اثره على الامن القومى التى نظمتها لجنة الامن و الدفاع بالبرلمان فى ابريل من العام الماضى ، من غياب التشريعات التى تضبط الوجود الاجنبى و التعامل معه . و غض النظر عن موقف الحكومة من المحكمة الجنائية الدولية ، و عدم مصادقتها على نظامها الاساسى ، فأنها –المحكمة- هيئة دولية تضم 108 دولة و لها اتفاقية تبين العلاقة المؤسسية بينها و بين الامم المتحدة التى صادق السودان على ميثاقها بعد نيله استقلاله مباشرة ، و هناك موظفين سودانيين يعملون بها على اعتبارها هيئة دولية ، وهناك سودانيون كثر ناشطون  ضمن ما يسمى بالتحالف الدولى من اجل المحكمة الجنائية الدولية ، يمكن ان يضعهم القانون الجديد المتوقع صدوره تحت طائلة المحاسبة . ان معاقبة مواطن على تأييده المحكمة الجنائية لمجرد ان جزءا من الحكومة الحالية لها موقف منها  ، كمحاسبة شخص اخر  على تأييده لاتفاقية مناهضة كافة اشكال التمييز ضد المرأة المعروفة ب(سيداو)  التى لم تصادق عليها الحكومة حتى اليوم او اى اتفاقية دولية اخرى لم يصادق عليها السودان حتى اليوم  . كان اجدر بالبرلمان طالما ان لديه مثل هذه السرعة فى عرض و اجازة مشاريع القوانين ،  ان يسرّع بالمصادقة على القوانين التى تعطل عملية التحول الديمقراطى و تهيئ البلاد للانتخابات التى يصر المؤتمر الوطنى  على قيامها فى ميقاتها المعلوم  . كما ان منع محاكمة السودانيين امام المحاكم الدولية لا يكون بمثل ردود الافعال تلك ، و انما بتوفر الارادة السياسية و اصلاح كامل النظام العدلى فى البلاد و الغاء الحصانات الممنوحة لذوى النفوذ فى الدولة .
سيكون مفيدا جدا للحكومة وهى تناهض قرار المحكمة الجنائية الدولية ، ان تضبط تصريحات و ردود فعل مسؤوليها و مؤسساتها ، لان كثير من التصريحات و المواقف و القرارات ، تمضى فى اتجاه تأزيم موقفها اكتر وفى صب مزيد من الزيت على نار ازمتها مع المجتمع الدولى ، و سيكون مكلفا جدا تراجعها عنها او اصرارها عليها ، و ذلك بترك كل جهة اختصاص لتباشر اختصاصها .
حجب بواسطة سلطات الرقابة من صحيفة (الصحافة) عدد الاحد 15 مارس