بتوصية من خبراء الامم المتحدة

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
فى جلسة الاستماع التى عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الامريكى ، للمبعوث الخاص للرئيس بوش للسلام في السودان ، ريتشارد وليامسون عقب الجولة الاولى للحوار السودانى الامريكى لتطبيع العلاقات بين البلدين، و التى دارت وقائعها بالعاصمة الايطالية روما في ابريل الماضى ، استفسر اعضاء اللجنة وليامسون حول مبيعات السلاح الصينى للسودان و استخدامها في دارفور . و اقر المبعوث الرئاسى بأن الصين تعتبر اكبر الداعمين للخرطوم بالسلاح، و لكنه اوضح نقطة جوهرية بقوله «ان ذلك لا يعتبر من الناحية الفنية انتهاكا لقرار مجلس الامن القاضى بحظر السلاح عن جميع اطراف النزاع في دارفور»، و اردف وليامسون : «يوجد حالياً حظر على مبيعات الأسلحة لدارفور وليس للسودان، لكنها مجرد أن وصلت للبلاد فإن التصورإلى أين ينتهى بها المطاف تصور سليم كتصورى إلى أين تنتهى بها الرحلة» .

و يبدو ان فريق الخبراء التابع للامم المتحدة تبنى نفس المواقف التى كانت تدور في جلسة مجلس النواب الامريكى في ابريل الماضى و انتهى الى التصور الذى انتهى اليه المبعوث الرئاسى الامريكى ، و ذلك حينما اوصى في تقريره لمجلس الامن الثلاثاء الماضى  بتوسيع حظر  السلاح الي دارفور ليشمل السودان بأكمله ،وكذلك تشاد المجاورة لمكافحة ما وصفها بـ«انتهاكات صارخة» للحظر من جانب الخرطوم وجماعات المتمردين في دارفور . وذكر الفريق المكون من أربعة خبراء (ان طرفي الصراع في دارفور كليهما مصممان على حل عسكري للصراع الذي مضى عليه خمسة اعوام في المنطقة،  وان قوة لحفظ السلام غير فعالة حتى الآن) .    وكان المبعوث الامريكى قد اوضح في حديثه امام اللجنة  انه لم تكن هناك معلومات استخباراتية حول نقل الأسلحة المباشر إلى دارفور. ولكن السناتور روبرت مننديز قال لوليامسون في الجلسة « إنه ليس واجباً عليه ان يلجأ إلى استطلاع استخباراتى ليكتشف ذلك». وقال سناتور ولاية نيوجيرسى: « ان تسعين بالمائة من الأسلحة الصغيرة التى بيعت للسودان بين عامى 2004 و2006 بما فيها بنادق هجومية ــ السلاح المألوف المستخدم في دارفور ــ تأتى من الصينيين».

وفرض مجلس الامن الدولى حظراعلى السلاح لجميع اطراف النزاع في دارفور بموجب القرار 1591 وذلك في مارس 2005 م، لكن بعد اكثر من ثلاثة اعوام من ذلك القرار اتضح انه لاجدوى منه و غير فعال ، اذ يبدو ان توصيات خبراء الامم المتحدة ستأخذ طريقها الى ان تصبح قرارا جديدا من قبل المجلس يوسع بها النطاق الجغرافى الذى كان الحظر ساريا عليه ليتجاوز ليس دارفور و انما  كامل البلاد ليشمل تشاد المجاورة ايضا بحكم ان واردات السلاح للمتمردين تأتى عبرها او بمساعدتها .

وقد جاءت هذه التوصية بعد ان  باءت المساعى المبذولة لايقاف الحرب في اقليم دارفور بالفشل ، و لم يستطع اتفاق السلام الموقع في العاصمة النيجيرية ابوجا قبل اكثر من عامين من تحسين الاوضاع على الارض ان لم يكن قد فاقمها، بل ان تداعيات النزاع في دارفور امتدت حتى العاصمة الخرطوم بالهجوم الذى شنته حركة العدل و المساواة على ام درمان في مايو الماضى ، لذا فان تقدير فريق الخبراء جاء يائسا حينما قالوا ان « تصرفات جميع الاطراف توضح انها اختارت حلا عسكريا للصراع بدلا من حوار موضوعي في محادثات سلام». ونفس القناعة اليائسة هذه كانت قد تسربت الى الامين العام للامم المتحدة ، بان كى مون و عبر عنها في تقريره الصادر في اكتوبر الماضى حول سير تنفيذ العملية المختلطة في دارفور ، فقد ذكر بأنه (وبعد مرور عام و نيف على التفويض الصادر من مجلس الامن بموجب القرار 1769 لكن لاتزال الشروط اللازمة لكفالة عملية حفظ سلام فعالة في دارفور غير مستوفاة) . و ارجع كى مون السبب في ذلك الى ان «الحكومة و الاطراف الاخرى ما زالت تجنح للحل العسكرى للنزاع بينما احرز قدر ضئيل من التقدم في مسار تنفيذ اتفاق سلام دارفور  ، وفى ظل تفشى العنف ، تظل حماية المدنيين مصدر قلق كبير» . و قد احتوى تقرير الامين العام على رصد دقيق للا نتهاكات التى تتم  في  دارفور من كل اطراف النزاع في الاقليم .

و ظل العالم طوال الفترة الماضية يشدد النقد للصين على ما يراه عدم التزام منها بقرار مجلس الامن القاضى بحظر السلاح عن دارفور ، وقد ووجه مبعوثها الخاص للسلام في دارفور بانتقادات لاذعة في باريس ولندن قبل اشهر على ما تعتبره تلك البلدان كسرا للاجماع الدولى الرامى لوقف ما تصفه بجرائم ارتكبت في دارفور وذلك بتوفير الحماية للخرطوم في المؤسسات الدولية ، وفى الوقت نفسه  مواصلتها في مد الخرطوم بالسلاح مقابل النفط الرخيص لمقابلة احتياجات اقتصادها النامى للطاقة ، وقد اضطر النقد اللاذع (الذى بدا و كأنه محاولة للابتزاز من البلدان الغربية لبلاده)  المبعوث ان يقول ان الخرطوم تبتاع السلاح من لندن و باريس و روسيا و غيرها من بلدان العالم . و لم تستطع تلك البلدان نفى انها تزود الخرطوم بالسلاح . و اضافة الى ذلك فان فريق لتلفزيون البى بى سى في دارفور  بث صورا لمركبات و آليات عسكرية حكومية قال انها تحمل علامات تبين ان مصدرها الصين، و ذلك بعد اشتباكات جرت بين الجيش الحكومى و احدى الحركات المسلحة في الاقليم قبل فترة ، و لم ينف مكتب الناطق الرسمى للقوات المسلحة وقتها صحة الخبر بل انه اكد على ان الجيش يشترى السلاح من الصين و من اوربا و غيرها من بلدان العالم .

و انتقدت الولايات المتحدة قبل ايام ما تناقلته وسائط الاعلام عن صفقة اشترت بموجبها الخرطوم 12 طائرة مقاتلة من طراز«ميج 29» من موسكو ، ورغم ان البلدين قد ذكرا بأن الصفقة قديمة تعود للعام 2004 الا ان واشنطن تمسكت بموقفها الناقد لها وقالت ان السودان بلد  مأزوم و لايحتاج لطائرات مقاتلة و عليه توفير موارده للتنمية . و كان القائم بالاعمال الامريكى الاسبق بالخرطوم جيرارد قالوشى قد اعتبر في حوار اجرته معه «الصحافة» قبل ثلاثة اعوام  شراء الحكومة لطائرات مقاتلة بما تبلغ قيمته ثلاثة مليارات دولار ،  دليلا على عدم مسؤوليتها  وبالتالى  مشروعية الوصاية الدولية عليها، مبينا ان بلاده تصرف ما قيمته مليار دولار سنويا من اجل اطعام السودانيين فى دارفور و لذا  فانها ستضغط من اجل نشر قوات دولية في دارفور حتى تطمئن على ان اموالها التى تدفعها تمضى للاغراض التى وجهت من اجلها ، بينما كانت الحكومة تقاوم الامر في ذلك الوقت و تعده مؤامرة دولية من اجل السيطرة على البلاد

ورغم ان توصية فريق الخبراء الامميين بحظر السلاح عن سائر البلاد ، و لكن الواضح من حيثيات التقرير ان الامر مرتبط بالصراع الدائر فى دارفور . ومن غير المعروف ما اذا كان قرار الحظر على التسلح المرتقب سيشمل الجنوب ام لا ،  ، و ينبع التساؤل من ان العقوبات الامريكية كانت قد استثنت الجنوب و جبال النوبة و النيل الازرق و أبيى ، وغير ان القرار المرتقب بالحظر كما فى التوصية   قرار اممى و ليس امريكيا و يشمل كل البلاد ، فان  قلقا  اخذ يساور الاسرة الدولية  من سباق التسلح الذى انخرط فيه طرفا اتفاقية السلام الشامل وهما المؤتمر الوطنى و الحركة الشعبية في الجنوب ، فقد اجاز برلمان الجنوب قبل نحو خمسة اشهر ما اسماه «الورقة البيضاء من اجل سياسة دفاعية للجيش الشعبى» و التى قضت بإنشاء سلاحى طيران و دفاع جوى ، و اعترفت قيادات في الجيش الشعبى بأن طيارين عسكريين يتلقون تدريبات في جنوب افريقيا ، ثم ما تداولته الوكالات في اكتوبر الماضى عن سفينة الاسلحة الاوكرانية التى اختطفها قراصنة صوماليون وهى في طريقها الى ميناء ممبسا الكيني ، و اشارت التقارير الاخبارية ان شحنة الاسلحة الثقيلة مملوكة للجيش الشعبى، لكن الاخير نفى ذلك بينما  اقرت الحكومة الكينية ملكيتها لها ، ورغم ان اتفاقية السلام التى قضت بوجود جيشين في الشمال و الجنوب طوال فترة الست سنوات الانتقالية  لم تضع نصوصا تحظر التسلح على الطرفين ، لكن التوجه العام للاتفاقية ينحو الى خفض الجيشين و التوجه من العسكرة الى الحياة المدنية و ابتدار مشروع طموح من اجل التنمية و اعادة الاعمار ، وهو امر يقتضى توجيه موارد البلاد الشحيحة نحو تلك الغايات من اجل محو اثار الحرب الاهلية التى رزئت البلاد تحت وطأتها ما ينيف على العقدين من الزمان . سوى ان الوقائع على الارض لا تشير الى ان البلاد تمضى في هذا الاتجاه حيث لاتزال اكثر من 70 % من ميزانية البلاد تذهب لمقابلة الصرف على الامن و الدفاع ، و تبرر الحكومة ذلك بأن الحرب في دارفور لا تزال تحدد اولوياتها للصرف على الامن و الدفاع وفقا للتحديات التى تواجه البلاد . و يتوقع ان يرتفع سقف الصرف على الامن و الدفاع في ميزانية هذا العام رغم افرازات الأزمة المالية العالمية على البلاد و على رأسها تدنى اسعار النفط عالميا بجانب ان النفط السودانى يباع في السوق العالمى اصلا بسعر منخفض ، و تستند التوقعات على توصية لجنة التحقيق البرلمانية في احداث ام درمان التى  صدر تقريرها الشهر الماضى  بضرورة  دعم القوات المسلحة و الاجهزة الامنية  و تسليحها و تدريبها . و غير ان ما يقارب ثلثى الميزانية يذهب للامن و الدفاع فأن المؤسسة العسكرية و الامنية تكاد تهيمن على الحياة فى البلاد فهى تزاحم بشركاتها فى السوق الذى قيل انه حرا ، و ادت تلك الهيمنة الى تضعضع الحياة المدنية و تراجع العمل السياسى المدنى امام النفوذ و الامتيازات المتنامية للمؤسستين ، و يتجلى ذلك فى قانون القوات المسلحة الذى اجيز من البرلمان العام الماضى بصورة تضمن لها الحفاظ على ما تعده مكتسبات لها ، بينما يقاوم جهاز الامن بشراسة اى محاولة لاخضاعه للدستور الانتقالى الذى قضى بتحجيمه و تحويله لجهاز لجمع المعلومات و تحليلها و تقديم المشورة لاجهزة الدولة المختلفة ، فى وقت يتراجع فيه الامل امام اى توجه نحو التحول الديمقراطى وقيام الانتخابات فى ميقاتها منتصف العام المقبل بشروط من النزاهة و الشفافية .

و عادة ما يصدر مجلس الامن قراراته بعبارة «دون الاخلال بواجبات الحكومة السودانية و سيادتها على اراضيها» ، لكن اذا ما فرض حظر سلاح اممى على البلاد فان ذلك سيبدو صعبا على الحكومة، ويضاف الى ذلك ان فريق الادارة الامريكية الديمقراطية الجديدة يتبنى مواقف  متشددة حيال الأزمة في دارفور على رأسها فرض حظر على الطيران العسكرى الحكومى من التحليق فوق دارفور، و يؤشر ذلك  الى جانب قرار  حظر السلاح على سائر البلاد و تشاد ،  ان الاسرة الدولية متجهة لفرض السلام فرضا في دارفور و وضع البلاد تحت الوصاية الدولية بعد ان قدرت ان وضعها تحت الوصاية الدولية هو الامر الامثل لجلب الاستقرار لبلاد سيتسبب اى انهيار وشيك لها فى تهديد الاستقرار ليس فيها فحسب و لكن فى البلدان التسعة التى تجاورها كما تشير تقارير مراكز الابحاث الدولية المختصة فى النزاعات .

و اذا ما طبق قرار الحظر فان اطراف النزاع المختلفة مدعوة لمراجعة مقولة محورية كان يرددها الاستاذ محمود محمد طه فى كتبه و محاضراته المختلفة  مؤداها ان الحرب استنفدت اغراضها في القرن العشرين و ان قصارى ما يمكن ان تقود اليه هو اجبار طرفيها على الجلوس الى مائدة الحوار لحل النزاع بينهم سلميا . لكن من حيثيات توصية فريق الخبراء الامميين فان الحرب اصبحت غاية في ذاتها لدى جميع اطراف النزاع في دارفور ، لذا كان لابد ان يساقوا الى السلام سوقا بسلاسل امتحان المجمتع الدولى !!