خفت الحديث عن تداعيات قرار ادارة اوباما حول التخفيف المؤقت والمشروط للعقوبات الاقتصادية الاحادية التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية علي السودان منذ العام 1997م.علي اهمية قرار الادارة الامريكية السابقة من الناحية الاقتصادية، غير ان ذلك القرار الذي اتخذ في الوقت المضاف ( Added Time) صُور من بعض الجهات علي انه العصي السحرية التي ستلتهم (السحالي) التي تسمم بيئة الاستثمار في السودان وان سبب الازمات التي يعاني منها الاقتصاد السوداني هي (العقوبات). لقد ظهرت بشكل سريع اشكالية الادعاء بسبب ازمة الاقتصاد السوداني وذلك الخاص برفع العقوبات من ناحيتين: الاولي هي هل ان العقوبات قد تم رفعها بالفعل وبالشكل الذي تم الاحتفاء به؟ : الثانية هي هل فعلا ان مشكلة الاقتصاد السوداني قد انتهت وقد جاء فصل الازدهار؟. بما ان النتائج ستكون متواضعة نتيجة لذلك القرار ونتيجة لوصول ادارة مبهمة (Opaque) للبيت الابيض فقد خفت الزخم الذي صاحب القرار الي ان ابطل مفعوله بالامر التنفيذي المتهور من الرئيس ترامب، القاضي بحظر دخول المواطنيين السودانيين الي الولايات المتحدة برفقة مواطني ستة دول اضافية.

في هذا الوقت كانت اهم القرارات الصادرة عن الحكومة السودانية في الشأن الاقتصادي هي تلك الخاصة بالسماح بتصدير الذهب الامر الذي يزيد من تأكيد الامعان في الريعية التي يعيشها الاقتصاد السوداني. من هنا ياتي المدخل لموضوعنا المتعلق في جوهره بنظام الحكم وعلاقته بغياب التنمية والتدهور الاقتصادي الامر الذي يدفع نحو البحث عن بدائل تخرج البلاد من محنتها. موضوع التنمية بمفاهيمها الشاملة والمستدامة مركب وفي غاية التعقيد. فالتنمية حرية – حسب اماراتيا سن (Amartya Sen) - والتنميةعدالة ومساواة وحياة افضل يتم فيها توسيع الخيارات بالاستخدام الامثل للموارد للاجيال الحالية والمستقبلية. كل ذلك صحيح، لكن علينا بداية الطريق من اوله بدلا من القفز الي النتائج.
البداية تحتاج الي اعادة هيكلة تامة للبنيات والنظم والهياكل المؤسسية السياسية والاقتصادية بشكل يكفل الادارة المثلي للموارد ويؤدي الي زيادة الانتاج بشكل نوعي ومستدام (نمو حقيقي في الناتج المحلي الاجمالي)، زيادة الانتاجية باتباع التنويع والتحديث مما يمكن في النهاية من زيادة الدخول الحقيقية وعدالة توزيعها. يتم ذلك افقيا في جميع انحاء البلاد وفي جميع القطاعات الاقتصادية وراسيا علي مستوي الانتاجية والكفاءة وبناء القدرات. اضافة لذلك فان تحقيق شعار العدالة الاجتماعية المرافق للتنمية لا يمكن ان يتم الا بتضمين القيم الاخلاقية في السياسات الاقتصادية الكلية خاصة فيما يتعلق بالعدالة التوزيعية (Distributive Justice).
يزداد التعقيد في المجتمعات متعددة الاعراق والثقافات والاديان التي تحتاج لحكم رشيد يتقن ادارة التنوع وبما ان الاعجاب بماليزيا علي اشده في السودان فهي تصلح كنموذج للادارة الناجحة للموارد وللتنوع معا. من ناحية اخري فان زيادة تكلفة الحكم بالتوسع في الادارة العامة دون جدوي سياسية واقتصادية واجتماعية سيؤدي لمزيد من التدهور واهدار الموارد، ويبدو ان هذا هو الخيار الذي سينتج عن ما دار من حديث مطول عن الحوار الوطني الذي سيضيف عبئا ثقيلا علي الاقتصاد السوداني سيتم خصمه من لقمة عيش المواطن السوداني المسحوق اصلا بتكاليف الحياة ومكابدة شظف العيش وغول الغلاء.
بناء علي المشكلة موضوع المقال وما اذا كانت هناك قيم ستضاف نتيجة لما يتم التحضير له ، فان هناك اسئلة بسيطة تبحث عن اجابة منها: هل ستنخفض معدلات الفقر ويتم توفير الاحتياجات الاساسية للمواطن – Basic Needs- ؟ هل ستقل حالات سوء التغذية وامراض التخلف والتلوث؟ هل ستتحقق ابسط مؤشرات التنمية البشرية في الصحة والتعليم، صحة المواليد اقل من 5 سنوات ، وفيات النساء عند الولادة؟ هل العمر الافتراضي للمواليد الجدد سيرتفع مقارنة مع كبار السن والاجيال السابقة؟ هل ستيم توفير مياه الشرب الصالحة لاغلبية السكان؟ هل سيحدث تساوي في الفرص في العمل مثلا؟ هل سيتوفر المناخ الملائم لتحقيق اهداف التنمية المستدامة المخطط لها حتي العام 2030م.
جميع ما اشرنا اليه اعلاه يرتبط بالحكم الرشيد المعتمد علي بناء الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة، المجتمع المدني، الهياكل الحزبية والتنظيمية، الاتحادات المهنية ومؤسسات الاسواق ومدي فعاليتها وتطورها وتناغمها في نظام يراعي المصالح الاستراتيجية وصيانة الامن القومي ويؤسس لبناء وجدان موحد لامة يجمعها مصير مشترك.
ما نود ان نقوله هو ان غياب الحكم الرشيد وانعدام الامل في اللحاق بالامم المتقدمة وسد الفجوة المعرفية معها يؤدي الي تفاقم مشاكل الفقر والتهميش والتفاوت ويقود ذلك بدوره الي الفساد والقمع والاستبداد علي مستوي الحكم والادارة. غياب الامل في التنمية وتحسين الاوضاع المعيشية في غياب الحكم الرشيد يؤدي الي فقدان الامل والتهور والارهاب.
هذا ما نراه ماثلا امامنا ومن حولنا. لكل ذلك دخلت بدائل العمل المقاوم البديلة الايجابي منها والسلبي. من اكبر اساليب المقاومة السلبية هي الجوانب العنيفة ، خاصة تلك المرتبطة بالارهاب الذي ياخذ طابعا عقائديا وايدلوجيا متطرفا. اي زمن ينتج مخرجاته فمراحل الانحطاط والتأزم تنتج نماذجها التي ستعمل علي الاغراق في الانحطاط. هذا هو الطريق المؤدي للدمار. من جانب اخر هناك قوي مقاومة ستعمل علي انتشال الوضع من تلك الحالة والتصدي لها. الذي يجب ان تقوم به الحكومات والمؤسسات المختلفة هو سياسات وبرامج حقيقية وفاعلة للاصلاح تبدأ من اصلاح النظم التعليمية وترقية المناهج لسد الفجوة المعرفية بين الاجيال ومع العالم المتقدم ، اضافة لضرورة العمل علي البنيات التحتية لانتاج ونشر المعرفة والبحث العلمي. الجوانب الخاصة بالعملية التعليمية ورفع القدرات لا تلبي الحجات الضرورية الا بالتخلص من المسلمات والتلقين وتنمية الفكر والابداع ومراعاة ضرورة الجمع بين العراقة والحداثة ونبذ الخرافة .
لكن المقاومة مكلفة جدا خاصة في زمن الازمات وعندما تعجز الحكومات والمؤسسات عن القيام بدورها بالشكل المطلوب. في هذه الحالة كلما قلت تكلفة المقاومة كلما كان الانخراط فيها اوسع واكبر مردودا. اتخذت بعض الجهات التوجه الجهوي والقبلي بديلا للحراك الجمعي علي المستوي القومي فاصبحت تغلب المصالح الضيقة المنغلقة علي المصالح العامة التي تصب في مصلحة الجميع فارتد الوعي من العقل النقدي وصناعة الراي والمعرفة الي التخلف وانسداد الافق.
فقدان الامل والتضييق في الرأي والحريات وفي الانشطة الحيوية للشباب دفع بهم للبحث عن بدائل للتعويض وبما ان العالم يعيش عصر العولمة فقد شكلت وسائط التواصل الاجتماعي بوابة رئيسية للوعي والممارسة والترويح واصبحت تلك الوسائط وسيلة لكثير من الانشطة ، ابتداءا من الفعل السياسي وحتي ظاهرة السير الفردية كما يحدث الان حول ظاهرة (محاسن). ستستمر هذه الظاهرة في التنامي لتحل محل الاساليب التقليدية في المقاومة وتحقيق الاهداف، ستستمر بشكلها السالب والموجب. فعلا بدأ ذلك يتحقق بشكل متنامي لكن اذا عدنا الي الهدف الاساسي للتنمية المتثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة والبحث عن الانصاف في تساوي الفرص وتوزيع الدخل والثروة فسنجد الهوة كبيرة بين الحقيقة والخيال وبين العمل والشعارات.
يحتاج ذلك الهدف للتنمية السياسية ، اصلاح نظام الحكم ، الحريات العامة وتوسيع قاعدة المشاركة الجماهيرية في صنع القرار وليس مشاركة النخب الباحثة عن مصالحها الذاتية الضيقة. بالسير في طريق التنمية بكفالة الحقوق الاقتصادية وتوفير الاحتياجات الاساسية يمكن التحكم في مسار الاساليب البديلة للانشطة السياسية والاجتماعية ودفعها نحو المسار الايجابي. لكن مع مد العولمة والتغيرات العميقة التي يشهدها العالم فان الحراك البديل سيتنامي وياخذ اشكالا يصعب التنبؤ بها او توقع اثارها علي السلم الاجتماعي الذي يعتبر المطلب الاساسي للاستقرار الضروري للتنمية بمفهومها الشامل المستدام.
الحل السياسي ضروري لحل المعضلات الاقتصادية التي تواجه السودان في إعادة الهيكلة الاقتصادية، أولويات السياسات والخطط الاقتصادية، الجوانب المتعلقة بالتنمية وإعادة توزيع الموارد واستخدامها الرشيد، بما في ذلك استئصال الفساد، هذا الحل ضروري للاستثمار الأجنبي وتدفق المنح والإعانات نحو السودان، الاعفاء من الديون خاصة في ظل توقعات عن تغير ما في مكونات الحكم وفي العلاقات الدولية مع الاخذ في الاعتبار المتطلبات الخمسة المصاحبة لأمر رفع العقوبات الذي تبقت علي مهلته حوالي خمسة اشهر من الان. من يتوقع ان يحدث تغير حقيقي في السودان للتخلص من العقوبات الخارجية التي تقيد البلاد وتخنق إمكانياتها وتحرمها من التمويل الخارجي بشكل مجدي وتبعدها عن الأسواق الخارجية دون الوفاء بعدد من المطالب والاستحقاقات الداخلية والخارجية فان خيبة الأمل في انتظاره اي كان موقعه.
لكن كما ذكرنا سابقا وبشكل متكرر فان الحل السياسي لهذه القضايا المعقدة في غاية الصعوبة وليس بالبساطة التي قد يتخيلها البعض ويتوهمها اخرين. يحتاج الحل المضي في اتجاه التنمية السياسية لبناء منظومة سياسية متكاملة تستبدل ما يقوم اليوم من بنية سياسية مؤسسية هشة مستنفدة الصلاحية وبرؤية اعمق من النخب السياسية في الحكم والمعارضة والمجتمع المدني، أو بشكل اكثر الحاحا من داخل مكونات الحكم التي لا يمكن وصفها اليوم بالمؤتمر الوطني فقط بعد أن استقطب عناصر اخري خاصة من المكونات السياسية التقليدية والقريبة من رؤية الحكم. اما استقطاب عناصر لتولي مناصب سياسية او تشريعية وتضخيم الادارة العامة – المتضخمة اصلا - دون رؤية عميقة ودون استصحاب عناصر الازمة الشاملة التي تمر بها البلاد ، فلن يزيد الوضع الا سوءا ويعقد الامور بشكل مقاوم لاي علاج ممكن دون ثمن باهظ واثار خطيرة علي مستقبل البلاد.
في هذا الوضع المطلوب البحث عن حل سياسي يؤسس لنظام حكم يتوافق مع مفهوم الدولة الحديثة المكونة من مؤسسات من أهم معالمها مكانة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إضافة للأطر القانونية والتنظيمية الحاكمة لجميع أوجه الحياة ورعاية المصالح والحقوق وضبط التعاملات والأنشطة وتكاملها في نظام واضح المعالم بالرغم من التعقيد المؤسسي الملازم لمثل تلك الاجراءات. اشرنا إلي هذا الموضوع في العديد من المقالات السابقة في متابعتنا للشأن السوداني ونكرر ذلك مع الحديث عن مخرجات الحوار الوطني، الذي يعتبر للكثيرين غير كافي للتصدي للمشكلات التي يعاني منها السودان لانه يترك وراءه اطرافا مؤثرة لم تنضم لذلك الحوار، اضافة للمتغيرات الاقليمية والدولية التي دعت البعض للاعلان صراحة عن وجود طوق جديد للنجاة هو اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، الا يدل ذلك علي ضبابية في الرؤي وعلي استعصاء في الازمة؟.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.