أبرزت صحف الخرطوم بالامس العاشر من فبراير 09 تصريحات لوكيل وزارة المالية و الاقتصاد الوطني وصفت بانها "صورة قاتمة" للموازنة العامة للثلاث اشهر القادمة . كان سبب القتامة هو انخفاض اسعار البترول دون توقع الوزارة الذي تم اعتماده لاسعار البترول المورد الرئيس للموازنة العامة . كان توقع الوزارة هو 50 دولار للبرميل بينما هبط السعر الي 30 دولار فقط . كان هنالك عنوان بصحيفة " الصحافة " لنفس اليوم يشبه الاستنتاج و هو ان " المالية: عائدات النفط في ثلاثة اشهر لا تزيد عن تكلفة انتاجه". يثير كل ذلك العديد من التساؤلات حول منهجية وزارة المالية و تعاملها مع الازمة المالية العالمية التي كان من اثارها المباشرة تدني اسعار النفط. من الاسئلة : ما هو الجديد في انخفاض اسعار البترول؟ و من الذي قال او توقع ان لا تنخفض الاسعار الي ما دون الخمسين دولار للبرميل؟ مع ملاحظة ان معظم نوعية الخام السوداني ليست عالية الجودة لتنافس اسعار الخامات القياسية العالمية مما يرشح اسعارها الي التراجع الي ما دون متوسط الاسعار العالمية المعلنة. و في تلك الحالة و عندما اعلنت وزارة المالية ان موازنة العام 2009 هي موازنة استثنائية و انها خاضعة للمراجعة الم تضع في حسابتها كيفية البدائل الممكنة؟ و نتائج المراجعة و اثارها ؟ و بناءا علي ذلك تضع اولويات الانفاق؟المزعج في الموضوع هو ان اسعار النفط السوداني المعلنة بالكاد تغطي تكاليف الانتاج و حقوق الشركات المنتجة ، و مع الموافقة علي ارتفاع تكاليف الانتاج و تكاليف النقل و الحماية حتي ميناء التصدير و لكن الا يبدو الامر غريبا ان تساوي تكاليف الانتاج الاسعار المعلنة للخام السوداني؟ و اذا وصل البترول الي مرحلة التعادل بين التكلفة و العائد مما يجعل منفعته النهائية علي الاقتصاد السوداني = صفر فما هي جدوي انتاجه اصلا؟المصدر الاخر للقلق الكبير يكمن في جانبين: الاول هو ان حديث السيد وكيل وزارة المالية جاء في معرض الحديث عن النهضة الزراعية و التمويل الزراعي في اجتماع للجنة الزراعة بالمجلس الوطني تم فيه الحديث عن النهضة الزراعية و نتائج الموسم الشتوي. و من المعروف ان الزراعة تعاني من جملة مشاكل اشرنا اليها سابقا و قمنا برصدها في شهر واحد يمثل ذروة الموسم الزراعي الشتوي و قلنا ان رصد مشاكلها في عام كامل قد يحتاج لمجلد كامل. الغريب في الامر هي دعوة السيد الوكيل في تعليقه علي اسعار النفط المنخفضة و قوله بان الحل يكمن في " الاعتماد علي الزراعة للخروج من نفق الازمة، الصحافة، 10 فبراير ، 09". كيف يمكن الاعتماد علي الزراعة عندما لا تتوفر للدولة مصادر لتمويلها؟ و عندما ينخفض الانفاق الحكومي خلال الثلاثة اشهر القادمة حسب السيد الوكيل الي 50%؟ " المصدر نفسه".يقود كل ذلك الي الجانب الثاني من مصادر القلق و هو اشارة السيد الوكيل الي اللجوء الي الاستدانة من الجهاز المصرفي لتمويل العجز. و "هنا تكمن قضية"، ان هذا الشكل للتمويل كما يعلم السيد الوكيل تماما د. ابوقنايه هو شكل تضخمي و يفاقم من العجز و لا يحله و يدخل الاقتصاد فعلا في نفق مظلم هو التضخم الركودي. تصبح النتيجة هي تدمير المزارع و المواطن و عدم الخروج من النفق المظلم. معروف ان هذا العام سيكون الاسوأ من حيث الركود الاقتصادي و تراجع النمو لذلك لا بد من البحث عن مصادر حقيقة لتمويل الانفاق الحكومي بعيدا عن المصادر التضخمية و من ضمن ذلك توسيع المظلة الضريبية و البحث عن قروض علي امل ان يتم تعويضها مستقبلا من عائدات الاستثمار الزراعي و أي ارتفاع في اسعار النفط. يجن ان يتم ربط كل ذلك بجذب الاستثمار الاجنبي نحو الزراعة و الاقتراض من المستثمرين في قطاع البترول و الاتصالات و العقارات و توظيف القروض في تنمية القطاعين الزراعي و الصناعي . لادراك صعوبة الموقف الاقتصادي للسودان الناتج من اعتماده علي البترول في السنوات الماضية " مع عدم التقليل من اهمية البترول و نتائجه الايجابية التي اشرنا اليها كثيرا" يمكن النظر الي معاناة قطاعات الانتاج الحقيقي في الزراعة و الصناعة و تراجع الصادرات غير البترولية لتصبح مساهمتها في التسعة اشهر الاولي لعام 2008م حسب تقرير بنك السودان المركزي هي 5% من جملة الصادرات السودانية بينما شكلت الصادرات البترولية نسبة 95%. يتضح ذلك اكثر في اشارة اتحاد المزارعين في الاجتماع المذكور الذي خصص لتقييم الموسم الزراعي الي توقع زيادة الاعسار الزراعي هذا العام و الذي وصل الي 19 مليار في العام الماضي حسب  الانتباهة الصادرة في 10 فبراير 09 " الرقم بالجنيه القديم بالتأكيد" . و هاجم رئيس اتحاد المزارعين حسب ما اوردت صحيفة " الانتباهة " البنك الزراعي السوداني واصفا اياه بانه " تاجر و ليس داعم" ، نفس المصدر. يعني كل ذلك ان اثار الازمة المالية العالمية قد بدأت بالظهور و الانعكاس الحاد علي الاقتصاد السوداني و هو امر نبهنا له منذ وقت مبكر و في المراحل الاولي لاعداد الموازنة العامة. كما ان الرجوع الي صحيفة "الوسط الاقصادي" منذ منتصف العام السابق يوضح الي اي درجة دقت هذه الصحيفة نواقيس الخطر المنبهة لاثار الازمة العالمية منذ ان كانت ازمة للائتمان العقاري وصولا الي الازمة المالية و في النهاية الازمة الاقتصادية الشاملة. تم ذلك عبر الكتاب و المقالات و الملفات المتخصصة و المنتدي الذي عقد في بداية استفحال الازمة المالية مسجلة موقفا مشرفا من حيث الاختصاص و الجودة ، و اصبحت بذلك وسطا اقتصاديا و جرسا يشكل انذارا مبكرا حول الموقف الاقتصادي و هو موقف لتسجيل الحق لاهله و ليس من قبيل المثل المعروف...!. هنا يجب البحث عن حلول و مخارج حقيقية من الازمة المالية و ان يكون التبشير بجذب الاستثمار الاجنبي افعالا و ليس اقولا و اول المستهدفين بذلك الاستثمار يجب ان يكون القطاع الزراعي لمقدرته علي تقديم حلول منظورة في الامد القريب.