ذكرت وزارة المالية و الاقتصاد الوطني انها تنوي تطبيق " موازنة البرامج" للعام المالي 2010. لكنها بالمقابل لم تشرح للناس ما هي موازنة البرامج تلك و كيف تنوي تطبيقها ؟ سؤال اخر لماذا تطبيق موازنة البرامج للعام 2010م دون سواه من اعوام؟ كانت هناك دعوات خلال تسعينيات القرن الماضي و قبل اكتشاف البترول لتطبيق ذلك النظام. في ذلك الوقت كان الاقتصاد السوداني يعاني من مشاكل لا حصر لها و يمر بأزمات خانقة ابرز ملامحها مستويات التضخم الجامح غير المسبوقة في تاريخ السودان. عندها قام الدكتور عبد الحميد التجاني ( له الحق ان يذكر كلما ذكرت موازنة البرامج في السودان) بمجهودات كبري للترويج لذلك النظام. استقطب عبد الحميد في حملته تلك عددا من الاقتصاديين و الخبراء حام بهم علي مختلف ولايات السودان مقيما الورش و مقدما المحاضرات و السمنارات.

     شاركت في تلك الحملة و قدمت ورقة عمل لورشة بولاية سنار كما سجلنا زيارة لنفس الغرض الي ولاية النيل الأزرق. لكن مجهودات عبد الحميد و فريق عمله لم تتوقف عند ذلك الحد فقد طاف معظم ولايات السودان الشمالي من الشرق و حتي الغرب. رغم ان مجهودات د. عبد الحميد كانت منطلقة من رؤية خاصة و نفذت علي ذلك الأساس الا أنها تمت بموافقة وزارة المالية الاتحادية و الوزارات في الولايات . لم تأتي تلك الجهود بنتائج تذكر علي المستوي العملي و طواها النسيان لتعود علينا وزارة المالية بالإعلان عن نيتها تطبيق ذلك النظام المنسي و لتقوم بإحيائه من جديد.

     لكي يصبح من الممكن تطبيق نظام موازنة البرامج لابد من الالتزام بالأسس و المعايير الحاكمة له و ان يتم ذلك من اجل تحقيق الأهداف المرجوة من التطبيق و الا سيكون الحديث عن تطبيق النظام مجرد شعارات و تجريب بلا معني و لا مردود ايجابي يحسن من الأداء الاقتصادي و ينعكس بشكل ايجابي علي حياة المواطنين. خلال عقد الستينيات من القرن العشرين تم القيام بجهود كبيرة من اجل تطبيق مبادئ تحليل الجدوى الاقتصادية و ترجمتها في قرارات حكومية متعلقة بالإنفاق العام. بدأ ذلك النظام في الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيق ما سمي ب " تحليل فاعلية التكلفة" و قد تم ذلك في وزارة الدفاع الأمريكية. بعد ذلك تم التركيز علي إدخال ما صار يعرف ب " نظام موازنة البرامج التخطيطية PPBS " . تم تطبيق ذلك لاحقا علي الحكومة الفيدرالية و كذلك عي مستوي حكومات الولايات و علي المستوي الحكومات المحلية.

         ما تم تطبيقه في الولايات المتحدة الامريكية علي مختلف مستويات الحكم عبارة عن مواصلة لمجهودات سابقة هدفت الي تحسين وضع سياسات الإنفاق علي المستوي التنفيذي ، ذلك وفقا لعدد من القوانين الخاصة بمراقبة عمليات برامج الإنفاق مثل قانون ( Accounting Act ) لسنة 1921م ، ثم التركيز علي الكفاءة الإدارية حسب تقريرلجنة هوفر لسنة 1949م ( Hoover Committee ) الذي تمت الدعوة من خلاله الي ادخال " موازنة الانجاز Performance Budgeting ) و اخيرا قانون الموازنة و المحاسبة لسنة 1950م ( Budget and Accounting Act ) الذي ادخل تطويرا مهما علي محاسبة التكاليف و بياناتها.     كل ذلك تم بالاعتماد علي ما تم تطويره لاحقا في وزارة الدفاع خلال النصف الاول من ستينيات القرن الماضي ، اذ تم تطوير طريقة اوسع نطاقا و اكثر انتظاما في تخطيط الانفاق علي مستوي الوزارة المذكورة. لحق ذلك جملة من الموجهات التنفيذية المتعددة ابتداءا من العام 1965م.

        الجانب الرئيسي في نظام ( PPBS )هو ضرورة التركيز علي مجمل البرامج المدرجة في مشروع الموازنة. تقوم الموازنة العامة بالطبع بتخصيص موارد لمختلف الوزارات و المؤسسات لأغراض المراقبة التشريعية. مع ذلك فان برامج الانفاق يجب ان تشتمل بالضرورة علي مخصصات لمختلف الوزارات و المؤسسات الحكومية و يتم تنفيذها عبر تلك المؤسسات . يتطلب ذلك فحص البرامج و وحدات التخطيط عبر مختلف المؤسسات و مستويات الحكم. تضع بعض الدول كما حدث في الولايات المتحدة مثلا هياكل للبرامج تتضمن تجميع الأنشطة التي يتم تصنيفها وفقا للاهداف المشتركة. الهدف من كل ذلك هو الوصول الي رؤية حول النفقات الكلية المدرجة في البرامج و التي تظهر مكوناتها في في الاجزاء المختلفة من تبويبات و هيكل الموازنة المجازة و بفئات مختلفة من التخصيص. كل ذلك من المفترض ان يوفر قاعدة متينة قائمة علي التقويم الكلي للبرامج تمكن من تحليل المزايا المقارنة للبرامج البديلة " الفرص البديلة للبرامج" و للمبادلات " الخيارات " المحتملة بينها.

      نستنتج من كل ذلك ان من اهم سمات نظام موازنة البرامج ( اذا كان المقصود بالطبع تطبيق النظام العالمي المعروف ب PPBS " ، من اهم سماته استمرارية تخطيط البرامج. لتوفير الاستمرارية علي الوزارات و الهيئات و المؤسسات الحكومية تقديم ليس فقط البرامج الجارية و انما خطط مالية تغطي سنتين سابقتين و و خمس سنوات قادمة. بذلك تصلح الخطط ان تكون مرشدا في توجيه مخصصات الموازنة السنوية و ربطها بالخطط و البرامج الأطول أمدا. لضمان كفاءة النظام لابد من استعمال تحليل دراسات الجدوي الاقتصادية للمشروعات بمختلف تعقيداتها مما يجعل تلك الموازنة اقرب الي " موازنة المشروعات " بدلا عن "موازنة البرامج". سؤال اخير هل الحكومة مستعدة و قادرة علي تطبيق ذلك النظام بالكفاءة اللازمة لنجاحه؟ و هل الأحزاب السياسية ملمة بطبيعة ذلك النظام؟ سنري ، و العبرة بالنتائج.

 

 

Dr.Hassan.

 

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]