د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 كان لوقع تصريح وزير المالية و الاقتصاد الوطني  علي غالبية السودانيين سريعي الفهم للاشياء التي يريدون فهمها اثرا كبيرا و ربما مدويا . انعكس ذلك في ردة فعل الصحافة و كتاب الرأي. و قد علمتهم الازمة العالمية حساسية فهم الاحداث الاقتصادية لذلك اثار ذلك التصريح الكثير من التساؤلات و الترقب. يحمد للبترول انه قد رفع من الناتج القومي الاجمالي للسودان و حسن من مستوي و نوعية الايرادات الحكومية و مكن من تعديل الهيكل الضريبي ليصبح اكثر استقرارا مقارنة بما كان عليه قبل البترول. مكن البترول ايضا من تقويم النظام الضريبي - و لا اقول اصلاحه بالمعني المصطلح عليه -  فتم تخفيض الشرائح الضريبية علي الضرائب المباشرة و وضع حوافز للاستثمار. ساعد البترول في توازن ميزان المدفوعات و ادي الي استقرار سعر الصرف و كبت موجات التضخم المتصاعد في اواخر التسعينيات كما ساعد علي تطبيع علاقات السودان مع مؤسسات التمويل الدولي. حسن البترول المركز المالي للدولة و وسع من فرص التمويل و اعطي ذلك حافزا لراس المال الاجنبي ليندفع نحو السودان ، و قناعتي ان اثر البترول ذهب ابعد من ذلك الي العوامل السياسية و كان من اسباب توةقيع اتفاقية السلام الشامل. من حق السودانيين التساؤل عن ما جنوه من كل ذلك و هو سؤال كثيرا ما ُأسئل عنه عند الحديث عن البترول ، لكن يبدو ان الجميع يعلم اين هي الجهات القادرة علي اعطاء مثل تلك الاجابة و انا لا انتمي لاي منها. ربما عاب كل ايجابيات البترول تمركز الاستثمار في قطاعات الطاقة و الاتصالات و التشييد و القطاع المصرفي و كلها ما عدا النفط ليست من القطاعات ذات الفوائد المباشرة التي تنعكس علي حياة الناس.
نأتي الي مرحلة ما بعد البترول. هنا يدور الاهتمام حول الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي المنتجة ذات الاثر المباشر علي حياة الناس و رفاهيتهم و التي توفر لهم سبل العيش و العمالة و تمدهم باحتياجاتهم الاساسية و توفر للسودان موارد حقيقة مستدامة و نقصد بذلك القطاع الزراعي و الصناعي و قطاع الخدمات المرتبطة بهما و تنمية الموارد المتجددة و صيانتها. يؤدي ذلك الي دمج الريف في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و تحديث بنيات المجتمع و تطوير الخدمات الاساسية و التناغم بين الانسان و البيئة و تحقيق جملة المطالب السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للتنمية الشاملة. ان ما بعد البترول يحتاج للتخطيط الاستراتيجي و توفير المناخ الملائم للتنمية و وضع نظام للتوافق الاجتماعي و السياسي و ترجمة ذلك في سياسات و برامج عمل تحدد اولويات البناء و تضع اليات عمل يعتمد علي المؤسسية و المهنية و الكفاءة و الشفافية و المحاسبة. في هذه الحالة يصلح شعار " ما بعد البترول " ان يتحول الي سياسة قومية متفق عليها في حدها الادني تستوعب جميع مناطق السودان و اطيافه الاجتماعية و السياسية. و لكن هل كل ذلك ممكن في السودان اليوم؟ يبدو انه ممكن اذا تمعنا في تغيير" الثوابت " السابقة لكل مكونات المجتمع السوداني و مدي قناعتها بايجاد الصيغة المناسبة لانقاذ هذا المركب المشترك من غرق محتوم اذا لم يتداركوا العواصف المثيرة للامواج المتلاطمة حوله.