عندما يقوم وزير خارجية في الدول التي تعي مصالحها استراتيجيا بزيارة دولة ما فان ذلك يعني الكثير. عادة ما يحمل وزير الخارجية معه جميع الملفات السياسية و الاقتصادية و الامنية ، و بذلك تأخذ الزيارة بعدا اعمق من الزيارات التخصصية ذات المجال الواحد. اسرائيل واحدة من الدول التي تعي مصالحها جيدا و تعمل علي صيانتها بمختلف الاساليب. من المعلوم ان العلاقات الاقتصادية تشكل المحور الأساسي الذي تدور حوله العلاقات بين الدول. لماذا تهتم أي دولة باخري و هي لا تملك مصالح فيها؟ للعلم فان المصالح الاقتصادية لا تتوقف فقط علي الاستثمارات و التبادل التجاري و انما تتخطي ذلك الي الجوانب الامنية مثل المسارات البحرية و اماكن الثروات الطبيعية اضافة للأبعاد الثقافية و مختلف انواع التأثيرات التي تشكل قاعدة للنفوذ المستدام. لا تخرج زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان عن تلك المحاور. تاتي تلك الزيارة لتكمل زيارات الوزير اليميني المتطرف الي عدد من دول امريكا اللاتينية المهمة وروسيا.

           لعل تلك الزيارة تفتح عين العرب التي ظلت مغمضة لقرون عن افريقيا . هذه الزيارة تتم لدول تطوق الدول العربية مثل اليمن و السعودية و مصر و السودان بالطبع رغم اختلاف الوضع السوداني عن غيره في الحسابات الاسرائيلية. يزور ليبرمان اثيوبيا ، كينيا ، اوغندا ، غانا و اكبر دولة مسلمة في أفريقيا هي نيجيريا. برر ليبرمان زيارته لتلك الدول بتطويق النفوذ الايراني المتزايد في القارة الافريقية لكن الموضوع اكبر من ذلك بكثير. لكل من  تلك الدول أهميتها الخاصة سواء في الممرات البحرية او الثروات الطبيعية بما فيها المياه او المعادن مثل الماس و اليورانيم او الكثافة السكاني الكبيرة مثل نيجريا و بالتالي اسواق مستقبلية متسعة و واعدة. من جانب اخر فان الانشطة الاسرائيلية في القارة الافريقية اتسعت لتشمل مشاريعا في البنيات التحتية و الزراعة و الإعلام. لا ننسي ان مبيعات اسرائيل من السلاح في زيادة متصاعدة و قد بلغت اكثر من 6 مليارات في العام الواحد في بعض الإحصائيات و ربما زادت عن ذلك بكثير من خلال التجارة السرية و عبر الوسطاء و التغطية التي تجدها من بعض أجهزة المخابرات و التي تطال الجوانب الاقتصادية لتمكين النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا. علي سبيل المثال اشترت نيجريا سفينتين من طراز " شلداغ " بقيمة 25 مليون دولار. ليس بعيدا عن دائرة الاهتمام ما تقوم به اسرائيل في الاستشارات العسكرية و تدخلها في العديد من الحروب في افريقيا كما حدث في انجولا و ليبريا و سيراليون و ساحل العاج و عن ما يجري الآن في دارفور. عموما لقياس عمق زيارة ليبرمان الي افريقيا انظروا الي وفده الذي يضم مجموعة كبيرة من رجال الاعمال و تجار السلاح و المستشارين العسكريين.

          أصبحت بعض الدول العربية مدركة لأهمية التعاون الاقتصادي بينها و بين الدول الإفريقية لتقوية العلاقات مع تلك الدول و للمحافظة علي مصالحها الإستراتيجية. من تلك الدول جمهورية مصر العربية التي يدور اهتمامها الاكبر حول المياه. لذلك تسعي مصر لتمتين علاقاتها مع دول حوض النيل. اصبح من الملحوظ الاهتمام المصري بالتعاون الاقتصادي مع اثيوبيا و التي ستنطلق مع زيارة احمد نظيف رئيس الوزراء في اكتوبر المقبل. سيتزامن مع الزيارة استيراد 20 الف رأس من الحيوانات الحية مع اقامة اول محجر للثروة الحيوانية باثيوبيا " لضمان عملية استمرارية الاستيراد " ، المصري اليوم ، السبت ، 5 سبتمبر ، 2009م. يضاف لذلك و حسب نفس المصدر ان عدد من الشركات المصرية العاملة في مجال الثروة الحيوانية تقدمت بطلبات للسماح لها باستيراد الحيوانات الحية من اثيوبيا ، هناك شركة واحدة تقدمت بطلب لاستيراد 15 الف راس من الحيوانات. هكذا يجب ان ترعي الدول مصالحها. و لعل زيارة ليبرمان الي افريقيا تفتح عين الاستثمار العربي علي القارة البكر التي تذخر بالموارد الطبيعية و فرص الاستثمار و ان تعي بعض الدول العربية الواقعة في القارة السمراء ان الانتماء لهذه القارة ليس عيبا او شر يجب تجنبه او "شينة" يجب إنكارها.

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]