يعتبر التمويل المصرفي المعتمد علي المدخرات المحلية واحدا من بدائل التنمية الاقتصادية المهمة. حدث ذلك في الكثير من دول العالم مثل دول أوربية كألمانيا التي لم تكن تعتمد علي المستعمرات، كما حدث في دول من شرق و جنوب اسيا و في امريكا اللاتينية. يشكل الادخار الوسيلة الرئيسية للتراكم الرأسمالي من عائدات عناصر الانتاج و هو بالتالي من اهم عناصر التنمية الاقتصادية اضافة لانه من اهم مؤشرات النمو و هو شرطا اساسيا من شروط الاستقرار الاقتصادي. من الصعب الدخول في أي برنامج اقتصادي دون وضع جميع المؤشرات الاقتصادية في الاعتبار و التحسب للاثار التي يمكن ان تترتب علي ذلك البرنامج. من هنا يأتي السؤال حول مدي استيعاب السياسات الاقتصادية الكلية في السودان لتلك المؤشرات ؟ علي الإجابة تعتمد نتائج السياسات المالية و النقدية و فعاليتها و متانتها. من المفيد إذا تناول هذه الموضوعات عند الحديث عن طرح مشروع الموازنة العامة للعام 2010 للنقاش.

عندما يتم استخدام اكثر من 80% من الدخل للسلع الاستهلاك الأساسية فان الحديث عن الادخار يصبح ترفا ، كذلك الحال عندما تتجاوز نسبة الفقر المدقع 55% من السكان. هنا تأتي ضرورة استخدام الموازنة العامة كبديل مناسب للتنمية. يعني ذلك تخصيص نسبة معتبرة من الموارد المستقطبة بواسطة الموازنة العامة لتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و تحفيز النمو. تم استخدام ذلك النهج ايضا في عدد كبير من البلدان منها علي سبيل المثال روسيا . و للمفارقة تم ذلك في حقبتين مختلفتين و متباينتين جدا. الفترة الاولي كانت في روسيا القيصرية منذ القرن الثامن عشر و حتي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية و لحين قيام الثورة البلشفية التي طبقت النظام الاشتراكي بنموذجه السوفيتي المعروف. في تلك المرحلة تم ارهاق الشعب بالضرائب ، لكن بالمقابل تم استخدام الموارد في التنمية و بناء علي ذلك تم تأسيس بنية تحتية ممتازة . قامت علي ذلك الاساس ثورة في مجال التعدين و الصناعة لدرجة اصبح الروبل الروسي يعادل في مطلع القرن العشرين حوالي 13 دولارا أمريكيا. الحقبة الثانية كانت في عهد بوتين عندما تم توظيف عائدات البترول و الغاز في ترميم الاقتصاد الروسي المنهار بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. و بتلك الطريقة اصبحت روسيا من اكبر الاقتصاديات الصاعدة الان . استطاعت ان تبني قاعدة من الاحتياطات من الذهب و العملات الصعبة بشكل مكنها من الخروج من الازمة المالية العالمية بأقل الخسائر. من اهم امجازات فترة بوتين هو ارتفاع مستويات المعيشة لجميع الفئات الاجتماعية تقريبا ، حتي انه قد زادت عائدات المتقاعدين بمعاشات علي الدولة عشرات المرات في سنة واحدة، و ذلك ما أعطي بوتين تلك الشعبية الطاغية في روسيا. 

كل تلك الدلائل و المئات غيرها تشير الي ضرورة السير في بناء قاعدة للادخار و من اهم شروط البناء توجيه الانفاق نحو التنمية و توفير الخدمات الاجتماعية بتكلفة في متناول عامة الشعب، إضافة لضرورة توفير السلع الجديرة بالاشباع خاصة الكهرباء و المياه و السكن و المواصلات باسعار تتوافق مع مستويات الدخول. من جانب اخر لا بد ان تكف الحكومة عن الضغط علي تكاليف الإنتاج و بزيادة الأعباء الناتجة عن الضرائب و الرسوم. اذا توفرت تلك الشروط ستتاح الفرصة امام الادخار الذي سيشكل قوة دفع و رافعة للتراكم الرأسمالي اللازم للاستثمار. من المفيد التفكير في وضع السياسات الاقتصادية العامة في السودان بشكل يساعد علي تنمية القدرة الادخارية و هنا تلعب الموازنة العامة دور المايسترو الذي يقود الاوركسترا الاقتصادية في الاتجاه الصحيح.

 

hassan mn bashir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]