شعار "الإسلام هو الحل" الذي تطرحه جماعات الإسلام السياسي قبل وصولها الي الحكم وسرعان ما تتناساه بعد ان تستولي علي السلطة، يطرح مشكلة معقدة هي إيجاد البدائل الاقتصادية الإسلامية التي تكمل بناء اركان دولتها المفترضة وتميزها عن النماذج والمشاريع التي وضعها  الفكر الإنساني الوضعي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي منذ قرون، ولا زالت تلك النظريات والأطروحات تطبق وتنمو ، تواكب وتتسيد الساحة الاقتصادية العالمية.
لم نسمع من الجماعات  الإسلامية التي وصلت إلي الحكم بناء ما يشبه "بيت المال" كبديل لوزارات المالية والاقتصاد.كما لم نسمع بإلغاء الضرائب وتطبيق الزكاة كبديل لمصادر الإيرادات الضريبية  التي تغذي الخزينة العامة او بيت المال بالموارد اللازمة لتمكين الدولة من القيام بوظائفها السيادية، الاقتصادية، الاجتماعية والتنظيمية.
يوجد استثناء وحيد لتلك القاعدة، في الفترة التي أعقبت التحرر من الاستعمار، عندما قام  نظام الدكتاتور السوداني السابق جعفر نميري بإلغاء الضرائب خلال محاولته المشوهة لتطبيق الشريعة الإسلامية عبر ما عرف في تاريخ السودان الحديث "بقوانين سبتمبر" سيئة الذكر، تلك القوانين التي شوهت تطبيق الشريعة وألحقت إساءات بالغة بمقاصدها. تلك المحاولة لم تستمر لفترة طويلة، إذ انهارت  بعد شهور بعد خواء خزينة الدولة من الموارد، وبعد ان تلقي الشكر من المملكة السعودية علي ما قام به، اثر زيارته لها،  بدلا عن ضخ الأموال في خزائنه مكافأة له.عاد بعد ذلك لقرض إتاوة سميت (التكافل الاجتماعي) بنسبة 4%، أو شيء من هذا القبيل.لكن تلك الإتاوة لم تجدي نفعا فعاد أدراجه الي الضرائب بشكل أكثر ضراوة وتعطشا في الاستغلال. أدخلت بعد ذلك ضريبة التنمية والاستثمار بنسبة 10% وبعد ان تم فك الارتباط بين ديواني الضرائب والزكاة، بعد انتفاضة ابريل 1985م، تم رفع فئة تلك الضريبة إلي 30%، استمر ذلك إلي أن جاء قانون ضريبة الدخل لعام 1986م ليرسي قاعدة جديدة للهيكل الضريبي في السودان. سبب ذلك العبث خللا في النظام الضريبي لم تجدي محاولات الإصلاح المتكررة في معالجته حتى اليوم. تشكل  تلك التجربة مثالا جيدا لسوء الفهم وقلة الإدراك للشريعة والاقتصاد معا.
في المسار الجديد لحركات الإسلام السياسي العربية التي وصلت للحكم بعد (الربيع)، لم يتم طرح أي بدائل اقتصادية إسلامية حتى الآن. صحيح أن أوضاعها في الحكم لم تترسخ بعد، لكن هذه مسألة فكرية في المقام الأول وليست وليدة اللحظة. من جانب أخر فان الأنظمة المشابهة التي حكمت عشرات السنين لا زالت تتخبط في وحل الفشل الاقتصادي المزمن. لا يوجد اختراق في هذا المجال في اي من دول (ثورات الربيع)، لا في مصر او تونس ولا في ليبيا التي يتم الإعلان فيها مرارا بان الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع. السؤال هو ماذا عن التشريع والقوانين الاقتصادية؟ ما هي طبيعتها ووسائل تكيفها مع النظام الاقتصادي العالمي؟
في مصر خرج مشروع اقتصادي بسبع محاور بما فيها العدالة الاجتماعية. ليس من الواضح الآلية التي سيتم بها تحقيق تلك العدالة التي  تدخل في مصطلح واسع وفضفاض يتضمن معاني العدالة (Justice) والمساواة (Equity) في مختلف الأنظمة والدول غض النظر عن توجهها او قناعاتها الاقتصادية والاجتماعية، بل يتم التطبيق حسب الوضع الاقتصادي القائم وأهدافه وبرامجه. 
في الدول التي تعاني من التفاوت الاجتماعي وارتفاع معدلات الفقر يدخل هذا المصطلح ضمن برامج الحد من الفقر وإحداث تنمية متوازنة.من منظور إسلامي من المفترض ان يرتبط التطبيق برفع المستوي المعيشي للفقراء والمساكين القابعين في ادني درجات السلم الاجتماعي، إي القضاء علي قاعدة الفقر والمسكنة التي تأتي في طليعة مصارف الزكاة. كيف يتم ذلك؟ومتى؟وفي أي بلد أو نموذج حدث؟
يمكن الرجوع هنا إلي أطروحة  حركة النهضة في تونس التي تعتبر في رأينا اقرب حركات الإسلام السياسي العربي إلي الفكر التحرري الحديث، علي الأقل من الناحية النظرية. في هذه  التجربة طرح حماد الجبالي، رئيس الحكومة المستقيلة خلال ولايته إقامة ما اسماه بالخلافة الراشدة السادسة، في إشارة علي ما يبدو للبحث عن نموذج قد غاب منذ عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز. ألا ان الأمر لم يستتب للجبالي في الحكم لإقامة، حتى شيء اقل مما كان يطمح له  بكثير. سرعان ما دب الخلاف في أركان النهضة واستقال الجبالي بشكل نادر الحدوث في الأوساط العربية إلي درجة تصعب علي تصديق الكثيرين. هذه الأزمة التي ألمت بحكومة النهضة المؤتلفة مع أحزاب أخري تعبر عن أزمة تتجلي في بعض  جوانبها في الفشل عن تقديم بدائل للحكم ناهيك عن البدائل الاقتصادية الأكثر تعقيدا والأصعب في التنفيذ. في الحالة التونسية أيضا لم يتم تقديم نموذج يحتذي او مثال يقتدي به.
يتعمق مأزق البدائل الاقتصادية مع طبيعة اقتصاديات العولمة والتدفقات الحرة لرؤوس الأموال ، خاصة مع انتشار التوريق والتعامل عبر نظم الأسواق المالية. هنا لا يمكن تمييز مصدر الأموال او مصادر التمويل الأجنبي الداعم للاستثمار بمختلف أشكاله، في إي بلد كان بما في ذلك البلدان التي تحكمها حركات الإسلام السياسي. لا يمكن للأوراق المالية والمشتقات وأدوات التمويل الاخري والمكاسب المستمدة منها ان تأتي في شكل واضح حاملة ديباجة علي شاكلة (هذه اللحوم مذبوحة علي الطريقة الإسلامية).
جانب آخر من المأزق يتمثل في القروض الآتية من منظمات التمويل الدولي خاصة صندوق النقد الدولي ، وهي قروض ربوية صريحة، وبالرغم من طبيعتها الواضحة فان دول (الربيع) ذات الحكم الاسلاسياسي تتسابق من اجل استيفاء شروط  الحصول عليها والتزلف من اجل ذلك بتقديم الحوافز السياسية قبل حوافز الاستثمار. ينطبق الحال علي قروض الصناديق الإقليمية وعلي نظم التمويل الثنائي بين الدول وصولا إلي المنح والإعانات الاقتصادية والعسكرية المؤثرة علي متغيرات الأمن القومي والسيادة الوطنية، وهي آتية في معظمها من دول توصف من قبل تلك الجماعات نفسها بالعداء للإسلام ويتم الدعاء ضدها في المساجد.
فيما يتعلق ببدائل تمويل التنمية بمفاهيمها الاقتصادية والاجتماعية، المتوازنة، البشرية والمستدامة فهنا يتجاوز الأمر المأزق ليصل الي الخطر القاتل. بأي أشكال وصيغ يمكن تمويل التنمية؟ هل بالتمويل الحكومي وما هي مصادر تمويله؟ أين تقع الضرائب، القروض والزكاة هنا؟ هل بالتمويل المصرفي؟ ما هي مصادره وصيغه؟ حتي صيغ المعاملات المعمول بها في النظام المصرفي الإسلامي الصرف الأحادي المعمول به في السودان، علي سبيل المثال يتم التلاعب بها وتحول إلي صيغ ربوية، خاصة صيغة المرابحة الغالبة في المعاملات المصرفية، ذلك بشهادة عاملين وباحثين لا يشكك احد في صدق انتمائهم للإسلام السياسي؟ يتم ذلك جنبا الي جنب مع قبول القروض الربوية العالمية والعربية تحت ستار (فقه الضرورة).الخطر الذي اشرنا إليه يكمن في انعدام الخيارات البديلة مما يجعل الاختيار منحصرا بين القبول بالواقع والتعامل معه بشروطه ونظمه او الموت فقرا. هل في مثل هذا الواقع يمكن بناء نظام اقتصادي إسلامي مكتمل الأركان يجبر الآخرين علي التعامل بمعطياته والقبول بها بدون شروط؟
في كل الأحوال كيف لأي حزب او تيار أن يزعم بأنه يطبق الشريعة الإسلامية بدون وضع بدائل اقتصادية حقيقية متكاملة تتوافق مع الوضع الاقتصادي الدولي وتلبي متطلبات النشاط الاقتصادي - التجاري  - التمويلي في المجتمعات الحديثة بجميع تنوعها وتعقيداتها ومتطلباتها التي لا تحدها حدود وتلتبس معها القيم والأخلاق؟ بتلك البدائل يكتمل بناء الدولة ومؤسساتها وتتم حوكمة أداءها الاقتصادي وتمكن من الحكم علي الجدوى الاقتصادية والتنموية لنظام الحكم قياسا علي تكاليفه الكلية.
لا يمكن حصر شعار (الإسلام هو الحل) في مجموعة من المعاملات والقوانين الجنائية ولا يمكن تعميق الاسلمة بتنفيذ حدود الجلد والحرابة علي شاكلة (القطع من خلاف)، وإنما الأهم هو تلبية الاحتياجات الحقيقية في العيش الكريم وتمكين الإنسان من العيش في حرية وكرامة وان يتم إطعامه من الجوع وضمان أمنه بلا خوف من الحاضر أو المستقبل. أما حالات تبديد الموارد، تقطيع أوصال البلدان ، تفشي الفساد وانتشار الفقر، فلن تفيد معها الشعارات.
في هذا الوقت الذي تنتشر فيه البطالة وتسود معدلات جماهيرية من الفقر والفاقة وتتردي معه الأحوال المعيشية لدرجة ان كل يوم جديد يجعل الناس يحنون للذي قبله، في هذا الوقت فان تقديم البدائل الاقتصادية التي تعالج الأزمات وتضع عجلات قطار التنمية علي المسار الصحيح، هو الحد الفاصل بين النجاح والفشل لهذا المشروع او ذاك، وهذا هو المأزق الحقيقي الذي يجب علي جماعات الإسلام السياسي بشعاراتها المختلفة تجاوزه عمليا، بشكل يدمجها في مكونات النسيج الاجتماعي القومي ولا يجعلها جسما غريبا معزولا لا يتحدث إلا للمنتمين إليه ويخاف من الآخر ويعزله. بذلك يكون النظام، إي نظام قابل للحياة والاستمرار بقبوله وطنيا ، باعتبار أن ذلك شرط توافقه مع المنظومة الدولية بتنوعها الموضوعي، الذي لا يمكن إخضاعه لأي رغبات ذاتية للإفراد أو التنظيمات والجماعات. 
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]