من غير المعروف ما اذا كانت الانتخابات ألمنتظره في السودان ستأتي بالحل للمشاكل التي تعاني منها البلاد ام ستزيدها تعقيدا؟ من الواضح ان القوى السياسية قد نجحت في تأزم ملف الانتخابات بقوانينه و مؤسساته و الاشخاص المشتركين مباشرة في ادارة العملية الانتخابية. منذ ان تم التوقيع علي اتفاقيات السلام لم يدم التفاؤل الا لايام معدودة هي تلك التي شهدت حضور القائد الفذ جون قرنق قبل ان يرحل بشكل مأساوي عن الدنيا و يشكل غيابه كابوسا سياسيا لا زال مخيما علي الحياة السياسية في السودان. بالطبع لا يمكن لشخص واحد ان يساهم بشكل خارق في صناعة التاريخ و لكن التاريخ لا يصنع بدون مساهمة الأفراد فيه و دور الفرد في التاريخ امر معلوم.

 

تحظي الانتخابات القادمة في السودان باهمية استثنائية لانها و لاول مرة ستكون ذات تاثير حاسم علي وحدة البلاد و استقرارها . كما انها انتخابات مختلفة عن جميع التجارب التي سبقتها كونها متعددة الدوائر و الاشكال و مستويات الانتخاب. ستتم الانتخابات علي مستوي رئاسة الجمهورية و علي المستوي الولائي و البرلمان القومي و المجالس الولائية اضافة لاشتمالها علي دوائر جغرافية و نسبية و علي كوته معينة للمرأة. يفرض كل ذلك شكلا جديدا للنقاش بين مختلف الاطراف التي ينكر كل منها علي الآخر حقوقه و اهليته. اهم ما يميز الوضع الانتخابي الاتي هو ان هذه الانتخابات ستكون مولودا شرعيا لاتفاقيات السلام الشامل التي يشكل المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية طرفاها الأساسيان. فوق ذلك و رغم تمخض اتفاقيات السلام الشامل عن الدستور الانتقالي للعان 2005م الا ان الاتفاقيات تعتبر مرجعية عليا حتي علي الدستور نفسه مما يشكل وضعا غير مسبوقا في الممارسة السياسية و ربما التشريعية و لكنها الاولي بلا شك في السودان.

 في ذلك الوضع يتم التعارك حول شرعية الحكومة و قوانين التحول الديمقراطي و التعداد السكاني و غيرها من الموضوعات المؤثرة علي العملية الانتخابية و تحديد الدوائر، و هذا في حد ذاته يؤشر الي ازمة عميقة في المشهد السياسي السوداني بالغ التعقيد.في ذلك الوضع الراهن تتضاءل الفرص أمام ايجاد التدابير التي تحسن من سير الانتخابات و مستوي نزاهتها و شفافيتها وفقا لمعايير متوافق عليها يتم وضعها في تاريخ مناسب حتي يصبح من الممكن الالتفات للجانب الجماهيري من الانتخابات الذي يعتبر غائبا او مغيبا حتي اليوم. ايها السادة و السيدات المتصارعون علي نتائج الانتخابات هل سألتم أنفسكم عن اهتمام المواطن البسيط بهذه الانتخابات و هل تشكل أولوية لاهتماماته؟ الاجابة علي ذلك السؤال يمكن ان تعطي مؤشرا علي مدي اقبال الجمهور علي التسجيل في قوائم الانتخاب و تحدد نسبة الإقبال صناديق الاقتراع. لا يمكن للانتخابات القادمة ان تتم وفقا لمعايير الانتخابات في الديمقراطيات الغربية لذلك لابد من الاهتمام بتوعية الناخب و تحفيزه للانتخاب و العمل علي تقليل حدة التجاوزات و الانحرافات عن المعايير المتوافق عليها و التقليل من انعدام الثقة في الأحزاب السياسية. الخوف ان تكون هناك قطيعة بين المواطن و النخب السياسية اذا استمر الوضع علي ما هو عليه اليوم عنتريات و عنتريات مضادة . كل ذلك يؤثر علي التمثيل السياسي للناخبين  بسبب البرامج الانتخابية التي لا تعبر بشكل واضح  عن المصالح المباشرة لجمهور الناخبين . علي النخب السياسية تشخيص الواقع الاجتماعي و البناء عليه خاصة و ان الانتخابات في هذا العصر أصبحت عالية التكلفة إضافة لتعقيد الإجراءات حول الاقتراع في الانتخابات القادمة. من الأفضل ان تكون الانتخابات القادمة بداية جديدة للممارسة الديمقراطية في السودان غض النظر عن المكاسب و الخسائر لهذا الطرف او ذاك بدلا من ان تكون سببا في تقويض الديمقراطية بشكل يرجع بنا عهودا الي الوراء و قد يغير من خارطة البلاد نفسها و ينتج أزمات من نوع جديد أكثر تعقيدا و تكلفة.