بعد اتساع نطاق الاعمال تزايدت شركات الخدمات و هذا من اكبر المؤشرات الدالة علي حيوية النشاط الاقتصادي في السودان  الذي يصلح ان يكون افضل دراسة حالة للمتناقضات الاقتصادية التي ينفي بعضها بعضا. بالرغم من اتساع الفقر و تدني مستويات الدخول و القدرة الاستهلاكية للمواطن السوداني الا ان مستوي الارباح للكثير من الأعمال مزدهر رغم كونها بعيدة عن متناول نسبة عالية من السكان . كما ان قطاع العقارات من اخر المتأثرين بالازمة المالية العالمية التي كانت ازمة الائتمان العقاري هي الفتيل الذي اشعل قنبلة عجلة دورانها الماحقة التي ادخلت الاقتصاد العالمي في ركود شامل. في السودان تجد قطاع العقارات نشطا و تتزايد تكلفة مواد البناء و تزداد اسعار الاراضي و الايجارات خاصة في العاصمة الخرطوم و ذلك علي النقيض مما يحدث في العالم. من جانب اخر نجد ان اسرع ارتفاع لمستويات الاسعار في السلع الضرورية خاصة السلع الاستهلاكية الازمة للحياة من غذاء و كساء و خدمات الصحة و التعليم و اسعار الكهرباء و المياه و البنزين . يضاف كل ذلك لتكاليف الإنتاج المرتفعة و المبالغة في الضرائب و الرسوم .

 

 في ذلك الجو المشحون بالمتناقضات نمت شركات الخدمات ابتداءا من خدمات الاتصال و الخدمات المالية وصولا الي الشركات التي تقدم الخدمات الامنية و خدمة المنازل و المؤسسات. هناك العديد من الانجازات الباهرة في هذا المجال مثل ما تقدمه سوداتل و زين و كنار و MTN في مجال الاتصال و خدمات الانترنت وصولا الي الخطط المتقدمة للخدمات التلفزيونية الجوالة و الخدمات الرقمية متعددة المزايا و غيرها من خدمات. ظهرت مع ذلك شركات عالمية للخدمات مثل جلوبل التي تقدم الخدمات المالية و مجموعة اوفتك للاستثمار و شكل ذلك اضافة لشركات الخدمات السودانية و التي حسب علمنا من أهمها شركة الجزيرة للتجارة و الخدمات و التي لا اعلم يقينا ماذا فعل الزمان بها و ما هو موقفها في ظل المتغيرات الجديدة ، تلك الشركة التي تقدم خدمات الشحن و التخليص الجمركي و البريد و الكثير من الخدمات.

 

  مع كل ما ذكرنا هناك شركات خدمات طفيلية و متخلفة في ان واحد ، فهي طفيلية لانها لا تنتج قيما مضافة حقيقية تضاف الي الاقتصاد و انما تسترزق علي حساب المواطن السوداني خاصة في خدمات المياه و الكهرباء و بعض شركات السمسرة في العربات و العقارات فهي لا تتوفر فيها المواصفات اللازمة لتقديم الخدمة الممتازة التي توفر المعلومة للمواطنة و تقتصد له زمنه و مصاريفه و انما تمتص المزيد من موارده دون وجه حق كما يفعل القراد بالدم. كما ان ما يزيد من طفيلية تلك الشركات انها لا تقوم علي المنافسة و انما علي المحاباة و المصالح الخاصة . في هذا المجال لا بد من رصد تكوين الشركات التي ستحل محل الهيئة القومية للكهرباء المزمع إنشائها لتقديم خدمات الكهرباء. لا بد من مراقبة و متابعة انشاء تلك الشركات و التاكد من استيفائها للشروط اللازمة لتقديم تلك الخدمات الحيوية و إخضاعها للتنافس حسب المواصفات اللازمة ، و في رأي فان قطاع خاص مميز و فعال و لديه الكفاءة و القدرات المادية و البشرية سيكون افضل الف مرة للمواطن و ارخص عشرات المرات مقارنة بخدمات الكهرباء اليوم ، و بالتالي لا اري أي عيبا في خصخصة تلك الخدمات وفقا للمعايير و الضوابط القياسية المطابقة للمعايير الدولية.

  اما تخلف شركات الخدمات فناتج عن قلة الخبرة و عدم التأهيل كما حدث في مجال الطيران و كما يحدث في الكثير من شركات النظافة التي تأتي بعمال لا يعرفون معني النظافة و من ثقافات و بيئات تعاني الكثير فتجدهم يخلطون بين اواني المسح و اواني الشرب و لا يعرفون كيف يتعاملون مع المعدات الحديثة ، كما ان بعض المستحضرات الصحية مثل الطبية او الصيدلانية او الادوات الصحية الحديثة تعتبر طلاسم في نظرهم ، و يرون خيوط العنكبوت فوق الحيط و لمبات الكهرباء و غيرها اشياء مقدسة لا يجب المساس بها. ما دام الوضع وصل لهذا الحد في السودان فعلينا الالتزام بالمقاييس و المواصفات في مجال الخدمات كما هو الحال مع السلع و مراقبتها بشكل لا يترك ثغرات للاسترزاق بدون خدمه.