هل من الممكن القول بان هناك جهة في السودان تهتم ببناء قدرات ثقافية متوافق عليها يمكنها مقاومة الافكار الدخيلة و الشاذة عن قواعد السلوك الاجتماعي ( السليم ) ؟ و تعمل علي التاسيس لثقافة معافاة تمكن المواطن السوداني من ممارسة حياته المعاصرة ( حسب مواصفات العصر الذين نعيش فيه و ليس عصر متخيل او افتراضي ) بشكل تلقائي و ايجابي و غير مستفز لنظام القيم الاجتماعية الغالبة المتفق عليها؟ من الصعب الاجابة علي مثل تلك الاسئلة لانه لا توجد جهة تعمل علي تحديد مفهوم الامن الثقافي و ترسيخه في المجتمع . الامن الثقافي لا يعتبر وظيفة امنية ناهيك عن ان يكون وظيفة بوليسية و انما يرتكز الي معايير و محددات معينة منها وجود ثقافة و حضارة وطنية تجعل المواطن يعتز بها باعتبارها وعاءا حاملا للموروث الثقافي برموزه و افكاره و قيمه و مختلف مكوناته. من معايير الامن الثاقفي الانفتاح و الحوار مع الثقافات الاخري  كون الثقافة عملية مستمرة لا تتوقف عند نمط او قالب معين و لا يوجد منها " اكتفاء ذاتي" ، ذلك مع ضرورة الاعتزاز بالذات و هضم معطيات الاخر خاصة و ان السودان بلد متعدد الثقافات و الاعراق و الاديان تتمازج في تنوع حميد و تتعايش مع بعضها دون تضاد عدا ذلك المصطنع و المغذي بدعاوي متطرفة.

  من المهم و الحال كذلك العمل علي تحديد اسس و قواعد ثقافتنا و العمل علي منع حالات الاختراق الثقافي و الغزو الفكري ، لكن ذلك لا يمكن ان يتم بالحجر القسري و منع التواصل مع الاخرين و انما ببناء و ترسيخ القدرات الثقافية. لاستعادة الامن الثقافي المفقود في السودان لا بد من اعتماد مفهومه في المناهج المدرسية و و استعادة الاهتمام بالقراءة و النشر و توفير الكتاب الثقافي بالجودة المطلوبة و باسعار في متناول الجمهور. كما يجب اعادة النظر في تأسيس المكتبات بالجامعات و اعادة " المكتبة"للمدارس و توسيع شبكة المكتبات العامة مع ضرورة دعم انواعا معينة من الكتب. هناك ظاهرة في السودان تتمثل في كثرة المراكز البحثية و لكنها لا تلبي متطلبات المراكز العلمية و الثقافية بالشكل المتعارف عليه عالميا مما يستدعي ان تتدخل الدولة بإقامة المراكز الثقافية المتكاملة و اعادة تنظيم الاندية لتشتمل علي الجوانب الثقافية و الاجتماعية بدلا من ان تكون محال للعب الورق و غيره من العاب التسلية و استهلاك الشيشة و اقامة القاعات الفخمة و الحيشان لإيجارها للمناسبات باسعار تصلح للسياحة المدارية عبر مركبات الفضاء. بالضرورة ان تستوعب المراكز و الاندية مختلف الشرائح الاجتماعية سنيا و ثقافيا و حسب النوع مع اتاحة مجال اوسع لساحات العرض السينمائي و المسرحي و دعم الإنتاج الفني و الثقافي و الادبي بمختلف ضروبه. كل ذلك يمكنه ان يسهم في بناء اركان الامن الثقافي و اشاعة روح التعايش السلمي بين الثقافات و نبذ العنف و ترسيخ الانضباط و النظام دون الحوجة لجزم غليظة او لدوي المدافع و ارتفاع أصوات العصي و السياط و في ذلك تبرز ضرورة التكامل بين الجهود الرسمية و المجتمع المدني ، هذا بالطبع اذا كان هناك من يريد ان يكون لدي السودان امن ثقافي.