hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
لم يكن في السودان امن صحي بالمعني الدقيق للكلمة والذي يعني بشكل عام توفير إجراءات وقواعد ومتطلبات السلامة الصحية للإنسان ووقايته من الأمراض والأوبئة والحوادث، إضافة لتوفير بيئة خالية (بالمعني النسبي) من المخاطر، كما يتصل الأمن الصحي بتوفر الرعاية الطبية للمرضي وللأمهات والمواليد الي أخر ما يتصل بهذا المفهوم الواسع من مكونات.بالرغم من ذلك فقد كان هناك حد ادني من المتطلبات مثل توفر إمكانية الوصول - علي الأقل في المدن - إلي المستشفيات والحصول علي الدواء، إضافة للاطمئنان النسبي للأكل والشرب وإمكانية ان ينام الإنسان بدون ان يعاني من التفشي المفرط للناموس وان يأكل دون ان ينشغل بهش الذباب عن الطعام. (ألا حياك الحيا عهد البترول في عهدك عشنا نعما ما كنا لها مدركون).
اليوم هناك انفراط تام للأمن الصحي وحسبكم بالعاصمة القومية مثالا حيا لما نقول. إضافة لتكدس الأوساخ والقذارة وانتشار النتانة في كل مكان فقد تمت إضافة التلوث البيئي (انفراط الأمن البيئي أيضا) الذي أصاب الطعام والمياه فانتشرت الأمراض الناتجة عن التلوث. كل هذا يضاف لتردي الخدمات الصحية بالمستشفيات والغلاء الفاحش لفاتورة العلاج والأدوية إضافة لانعدام العديد من أنواع الدواء بمختلف أنواعه ودرجة أهميته لدرجة أن (مافي) و(قاطع) أصبحت العبارات الأكثر رواجا خلف أدراج الصيدليات في الخرطوم. يحدث كل هذا في ظروف استثنائية تحيط بالوضع الاقتصادي من تردي مريع في الدخول ومعاناة لا حدود لها جراء التضخم والارتفاع الجنوني اليومي للأسعار حتى ان ملاحقتها تحتاج لسرعة العداء الجامايكي ( اوساين بولت).
في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد (الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الخ) من العبث الحديث عن الأمن الصحي في شكل خطط وبرامج مدروسة ومحددة لتطوير القطاع الصحي وإخراجه من أزمته الطاحنة التي تشكل واحدة من تجليات الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد. لكن دعونا نطالب بما هو متاح مثل تكليف أشخاص يتمتعون بالحد الادني من الكفاءة والتأهيل لتولي المناصب ذات الارتباط المباشر بالخدمات الاجتماعية. مثل هؤلأ الأشخاص الذين من الممكن ان يتولوا المناصب الدستورية والإدارية اللازمة لتقديم الخدمات متوفرون بكثرة في السودان، كما ان الموارد التي تضمن توفير الحد الضروري الأولي من الخدمات العامة أيضا متوفرة. هذا أمر معروف في السودان فحجم الامتيازات والحوافز والمكافآت التي يحظي بها الدستوريين والإداريين حتي علي المستويات الوسيطة والقريبة من الدنيا أمر معروف في السودان ويشكل موضوع (ونسة) يومية في إي تجمع لعاملين في موقع ما. باقتطاع مبالغ محدودة من الحوافز والامتيازات وتكاليف خدمات المسئولين والإداريين يمكن توفير الكثير من الخدمات الضرورية للمواطن العادي المغلوب علي أمره.
من جانب أخر فان الحد من الهدر المتعمد لموارد البلاد بسبب الفساد، تدني الكفاءة في الجهاز الإداري والخدمة المدنية والتمادي في مراكمة الأخطاء سيزيد من تبعات الكارثة التي تتجلي، إضافة لانفراط عقد الأمن الصحي في إهدار ما تبقي من امن اجتماعي. أليس من الواضح ما يحدث الآن من تدهور في الوضع الاقتصادي وإهدار موارد البلاد وضياعها دون فرص للتوظيف الرشيد؟ أليس واضحا تدهور المستوي المعيشي ما يهدد بعواقب صحية وخيمة في ألمدي القريب، ليس اقلها استيطان أمراض سوء التغذية والتلوث وصولا الي الايدز؟ أليس كافية أعداد اليتامى واللقطاء التي لا تتوفر لها إحصائيات دقيقة، وإلا لبكي الناس في الشوارع من هول المأساة؟  أليست كافية معدلات ارتفاع وتيرة الهجرة والاغتراب؟ ألا يكفي تدني مستويات البنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واختفاء المؤسسية؟ ألا يكفي تدهور المستوي التعليمي وخراب مؤسسات التعليم العالي؟ ألا يكفي كل ذلك ليضاف إليه تدهور صحي مريع في قلب الخرطوم؟ كيف يمكن لحكومة تستطيع أن ترسل الطائرات الي السماء ولا تستطيع تحريك العربات التي تجمع القمامة والأوساخ؟ كيف تعجز حكومة عن كنس الشوارع وتجفيفها من المياه ومع ذلك تدعي الانجاز والإعجاز؟ حتى إذا جردنا الإنسان السوداني من عقله وساويناه بالحيوان فهو يستحق أفضل مما يجده اليوم من الأسياد الذين يتحكمون في البلاد. أيها السادة حتى الحيوانات تحتاج للرعاية اللازمة لتقوم بمهامها كدواب او كمنتجة للحوم والألبان والصوف وان تكون جلدوها سليمة بعد الذبح.
كلام لا طائل منه لكن يجب أن يقال. فليعلم كل مسئول عن الوضع الصحي في البلاد أن ما يحدث هو أمر مذر ولن يستفيد منه احد، حتى ولو كان اكبر المستثمرين في القطاع الصحي والطبي، أن ما يحدث ما هو إلا فشل مسيء تراه العين المجردة وتدركه جميع الحواس.من الضروري الآن إعلان حالة طوارئ صحية علي وجه السرعة رأفة بالمواطن السوداني المسحوق. الأمن الصحي أولوية غير قابلة للإرجاء.