يقول جون مينارد كينز ان الطلب علي العمل طلب مشتق ، بمعني انه طلب من اجل إنتاج السلع و الخدمات التي يتم بيعها لجمهور المستهلكين لإشباع حاجاتهم. بذلك الفهم يصبح سوق العمل مؤسسة تنظيمية متكاملة يتفاعل فيها عرض العمل و الطلب عليه. يتم عرض خدمات العمل في السوق ليقوم من يحتاج اليها بشرائها و بالطبع فان ذلك يحتاج و بالضرورة لتسعير خدمات العمل. لكي يتم ذلك لابد من توفر ظروف العمل المناسبة التي توفر التسعير المرضي و المعياري كون ان خدمات العمل تؤجر ( الأجير ، الذي يتلقي الأجر ) و لا تباع ، كما لا يمكن فصل الخدمة عن العامل. هذا الموضوع ليس بسيطا كما قد يتبادر الي أذهان بعض الناس لان اول ما يميزه هو توفر المؤسسات و التشريعات التي تحدد و تنظم آليات و أساليب عمل السوق. من ضمن تلك المؤسسات ، الحكومية و المؤسسات التي تضمن الاتصال بين البائع و المشتري لخدمات العمل و تؤمن تبادل المعلومات و اكمال التعاقدات و تقوم بحماية الأطراف المتعاقدة. حتي ألان هناك ضمور رهيب في المؤسسات الخاصة بسوق العمل في السودان ، حتي علي المستوي الحكومي ناهيك عن القطاع الخاص و هذه واحدة من السلبيات ألكبري. لا تعتبر مؤسسات مثل لجنة الاختيار و مكاتب العمل بشكلها الراهن كافية للوفاء بمتطلبات مؤسسات سوق العمل في السودان.

 

 اذا تناولنا جوانب اخري خاصة بسوق العمل لانكشف لنا الحال ، من تلك الجوانب تخصيص الموارد البشرية المتاحة للوظائف عند معدلات محددة للأجور و هو أمر يمكن القول انه غائب تماما في السودان ، اذ من غير المعلوم كم عدد الخريجين في هذا التخصص او ذاك ما عدا تخصصات محدودة ، أما عن معدلات الأجور التي تعرض بها الوظائف فحدث و لا حرج. تخصيص الوظائف للأفراد في مختلف التخصصات  لا يعتبر حاجة فردية و انما حاجة اجتماعية ترتبط بالاستخدام الأمثل للموارد البشرية و الاستثمار في رأس المال البشري. يتم توزيع تلك الموارد بواسطة سوق العمل علي مختلف القطاعات الاقتصادية و علي مختلف الأقاليم الجغرافية بشكل يؤمن الكفاءة الاجتماعية المطلوبة.

ينطبق ذلك علي جميع مستويات سوق العمل بمختلف تشريعاتها و مختلف مستويات التقانة و المهارات و بمختلف الدرجات الوظيفية و الأجور ، كما يشمل ليس فقط سوق العمل الرسمية و إنما القطاعات غير المنظمة ابيضا كبائعات الشاي و الكسرة و الباعة المتجولين و غيرهم.

 

نتيجة لتلك المتطلبات و المعايير تتحدد طبيعة النشاط الاقتصادي و مردوده مثل مستويات التشغيل و الطاقة الإنتاجية و مستويات البطالة و التقسيمات السنية و الوظيفية و المهارية للعمالة. و نسبة لكثرة الاطراف المكونة لسوق العمل فان ذلك يحتاج الي للمؤسسات التي تحركها و تربطها في نسق متصل . يشمل ذلك حصر الأشخاص الذين يبحثون عن العمل في أي تخصصات كانت و باي درجة من المهارة. كما يشمل أصحاب العمل الذين يرغبون في الحصول علي خدمات العمال ، كذلك تشمل تلك العناصر التنظيمات العمالية و المهنية المختلفة من نقابات و اتحادات سواء تعلق الأمر بالعاملين او بأصحاب العمل. و الضامن لكل تلك الجهات هو الحكومة نفسها باعتبارها رب عمل و الحكم بين مختلف الأطراف و بين جانب العرض و الطلب ، يتم ذلك عبر مختلف القوانين و التشريعات الحكومية و بواسطة الدراسات التي تقوم بها و عبر ما تتخذه من سياسات اقتصادية و اجتماعية و كافة السياسات و الإجراءات المنظمة لسوق العمل و ضمان انسياب حركته. فهل لنا ان نأمل في إنشاء سوق عمل حقيقي في السودان مع دعاوي جذب الاستثمارات الأجنبية و التوسع في المشاريع التنموية؟ 

 hassan mn bashir