أكد والي الخرطوم د. عبد الرحمن الخضر " صدور قرار سياسي برفع الدعم عن المحروقات.." "سودانايل 6 يونيو 2012م". رفعت الأقلام وجفت الصحف. يعتبر هذا تأكيدا رسميا من الحكومة، بالرغم من غرابة الموضوع في إعلانه عن طريق والي ولاية الخرطوم وليس عن طريق وزير المالية الاتحادي او صدور قرار بذلك من المجلس الوطني الخ. لكن هذه الغرابة في مراكز اتخاذ القرار وتداخل الصلاحيات والتلاعب في القضايا المصيرية التي تمس حياة الناس بشكل جوهري نهج طبيعي لا يثير استغراب احد بشأن تعاطي الحزب الحاكم او الحكومة التي تمثله في القضايا المصيرية التي تمس حياة الشعب. فهو "الحزب" وهي " الحكومة" يتصرفان (علي كيفهما)، وما هو الغريب في الموضوع إذا كانت مثل هذه القرارات تمر وكأنها حدث عادي او كأنها (انقطاع مياه) او (انعدام دواء) وتسير الحياة سيرها المضطرب الشاق المجهد متجهة إلي أزمة جديدة مصطحبة معها السؤال الأكثر طرحا في الشارع السوداني، "الناس ديل مودننا لي وين؟" وللذين لا يعرفون المعني السوداني للسؤال فهو يعني "إلي أين يسير بنا هؤلاء الناس؟".
بقية ما جاء في تصريح الوالي حول الدعوة بلطف الله فهي للتخفيف من وقع البلاء ، لكن من المؤكد أن الشعب السوداني او غالبيته المستضعفة ستسأل الله اللطف فيما يتعدي رفع الدعم بكثير، إضافة لدعواتها برفع البلاء والغلاء الذي أصاب البلاد في مقتل. أما الحديث عن زيادة المرتبات او التدرج في التطبيق فلا تعدو أن تكون استهزاء وذر للرماد في العيون والضحك علي العقول " وليس الدقون". ما معني رفع متدرج في أسعار الوقود؟ إي رفع ولو قليل في أسعار المحروقات سيشعل الأسعار المشتعلة أصلا، وللتأكد اتجهوا إلي الأسواق (للاستقصاء، وليس للشراء لان احتياجاتكم تأتي إلي عندكم)، لتعرفوا أسعار السلع الرئيسية من مواد الأكل والشراب والدواء وأخيرا المواصلات. في هذه الحالة فان الرفع المتدرج يعني ارتفاع متتالي للأسعار، التي لا تنتظر رفع الدعم فقد صعد تعويم الجنيه بمعدلات التضخم الي مستويات قياسية وسيأتي القرار "السياسي" برفع الدعم ليدخلها في موسوعة جنيس للأرقام القياسية.
أما الحديث عن رفع المرتبات فهو الأكثر خداعا وبشاعة في الاستخفاف بعقول الناس. أولا بأي معدلات سترفع المرتبات حتى يمكنها أن تعوض إي قدر من الخسارة التي سببتها معدلات التضخم حتي الآن، ناهيك عن الكارثة المنتظرة بعد صدور القرار "السياسي"؟ إي زيادة في المرتبات سيرد عليها السوق بتحية مضاعفة في رفع الأسعار إلي معدلات اعلي في هذه المسابقة الخاصة بتخليص أفراد الشعب السوداني من أرواحهم عبر سياسة الجوع الممنهجة. هذا أولا.
ثانيا، وهذا هو الأهم ، كم هي نسبة السودانيين الذين يعتمدون علي المرتبات في حياتهم؟(حتي الذين يعملون بمرتبات لا يعتمدون عليها في خياتهم). وإذا استطاعت ولاية الخرطوم والحكومة المركزية رفع المرتبات هل تستطيع بقية الولايات والقطاع الخاص ان يرفعها بأي شكل يمكن ان يؤثر علي المستوي المعيشي؟ صحيح ان أصحاب المرتبات من ذوي الدخل المحدود هم الأكثر تأثرا بمعدلات التضخم المرتفعة وما سيسببه رفع الدعم من تسونامي جديد للأسعار. لكن أصحاب المرتبات ليس وحدهم فهناك محدودي الدخل الذين يعملون في مهن أخري لا حصر لها في الريف والمدن، هناك صغار المنتجين والذين يعملون في القطاع غير الرسمي وعمال اليومية الذين قد يجدون اليوم عملا ثم يتعطلون لأيام وليالي.
ثالثا هناك تكاليف الإنتاج التي ستخرج الكثير من المنتجين خارج عجلة الإنتاج وسترمي بهم الي العوز والفقر، ثم هناك أيضا تناقص عائدات الولايات الفقيرة والمحليات بسبب ضمور إيرادات الرسوم التي تشكل مصدر دخلها الأساسي، مما يدفع بها لمزيد من الضغط علي المواطن بفرض رسوم او الكف عن تقديم اي خدمات حتى القليل منها المتاح اليوم ، ولماذا لا تفعل ذلك وهي تري الحكومة المركزية تتخذ قرارات سياسية كارثية في تأثيرها علي حياة الناس؟ لكن عندما يتوقف الإنسان عن العمل أو كسب الرزق سيتوقف عن سداد الرسوم، قبل ان يتوقف تماما عن الحياة، إضافة إلي أن الإيرادات التي ستفرح بها الحكومة عند اللحظات الأولي بعد زيادة الأسعار علي الوقود ستتبخر بسبب التضخم وعندما يتجاوز سعر الدولار عتبة العشرة جنيهات سودانية، تلك العتبة التي سيقصر منها رفع الدعم (اصطلاحا). أما مقدرة الحكومة علي لجم التضخم وتدني قيمة الجنيه فيتحدث عنها هذا القرار السياسي الذي له معني واحد هو ان الحكومة قد وصلت حد العجز التام واليأس من معالجة الملف الاقتصادي الشائك وقررت ان تدخل الشعب في اختبار الصبر الأخير وفي خيار أن يكون آو لا يكون.
أخيرا كون هذا القرار سياسي فهو يفسر أن القرار الاقتصادي برفع الدعم قد صدر منذ زقت بعيد، وما تصدي والي الخرطوم لإعلان صدوره بشكل رسمي،  إلا تأكيدا إضافيا لانحياز القرار السياسي الي الاقتصادي الذي يعبر عن العجز ووقوف عجلة الاقتصاد عن الدوران وعن تبخر إي آمال في مصدر سري او علني بترولي آو ذهبي أو إي كان (حتى ولو إسعافي) في إنقاذ الوضع من الانهيار، ذهبت كل الوعود أدراج الرياح وجاء الخبر اليقين، وهو أسوأ الأخبار قاطبة (صدور قرار سياسي برفع الدعم عن الوقود) "رفعت الأقلام وجفت الصحف".
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]