د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

   

عرفت في اتصال هاتفي من واحد من الأخوة الصحفيين النشطاء ان هناك قرار قد صدر – حسب إفادته – بتمليك موظفي الدولة العربات الحكومية التي في حوزتهم، و طلب مني رأي حول ذلك الموضوع. حسب رأي فان ذلك الاجراء اذا تم هكذا و بدون معايير للتمليك غير ملكية الموظف المعين لمركبة حكومية – بحكم منصبه – عند صدور القرار وفقا لمنصبه الحكومي ، فان ذلك قرار غير سليم مهما كانت مبرراته و يفتقر الي العدالة و المساواة بين الأشخاص الموجودين في الخدمة العامة ، و انه قسمة غير عادلة لثروة عامة ، و ذلك لعدد كبير من الأسباب. من تلك الأسباب ان تولي بعض المناصب التي تمكن الموظف او المستخدم من الحصول علي عربة حكومية ليس يالضرورة ان يكون بسبب الكفاءة او الخبرة و انما بسبب طبيعة العمل او التنقل فيه. هناك اشخاص في مواقع بها عربات محترمة هم في درجة وظيفية او علمية اقل بكثير من زملاء لهم بنفس المؤسسة، كما يوجد أشخاص افنوا سنوات كثيرة من عمرهم في خدمة الدولة و المجتمع و لكن لا توجد لديهم عربات حكومية. السؤال هنا بأي حق تملك العربات لهذا الشخص او ذاك؟. علي سبيل المثال في الجامعات يتم تولي المناصب الإدارية دوريا و لفترات محددة تتراوح غالبا بين ثلاثة و أربع سنوات ، كما ان هنالك أساتذة علي درجة كبيرة من التأهيل و الكفاءة و الخبرة يرفضون تولي المناصب الإدارية او لا يكلفون بها لأسباب لا علاقة لها بالمؤهل او الكفاءة او الخبرة. فبإي حق يملك الشخص الذي تصادف توليه لمنصب اداري وقت صدور القرار و يحرم زميله الآخر الذي يوجد في نفس مرتبته العلمية او اعلي؟

 

  قد يقول احد ما ان تمليك العربات للموظفين سيخفف العبء عن الدولة و يوفر عليها تكاليف التسيير من وقود وصيانة و غيرها ، و لكن تمليك اصول مملوكة للدولة و هي حق عام تم اغتناءه علي حساب دافعي الضرائب ، بدون معايير واضحة و مقبولة و عادلة يدخل في سياق الفساد المالي و الاداري. من ناحية ثانية فان التمليك دون معايير يسير تسأولات مشروعة من قبل العديد من المواطنين حول وجود شبهة سياسية في الموضوع ، بل يدفع للقول بان الهدف من ذلك هو توفيق الأوضاع قبل الانتخابات العامة بتمليك المركبات العامة لأشخاص في غالبيتهم المطلقة موالين للحكومة . و هنا تضرب الحكومة عصفورين بحجر واحد الأول هو دعم المركز المالي للموالين لها و الثاني تمليكهم أدوات مهمة لاستخدامها في الحملة الانتخابية. كيف سترد الحكومة علي مثل تلك الادعاءات؟ أفضل طريقة للرد هي وضع المعايير السليمة للتمليك و ذلك بوضع مقياس للأحقية مثل تلك التي توضع للحصول علي السكن الحكومي او البدلات الحكومية المرتبطة بسنوات الخدمة و المؤهل العلمي و الدرجة الوظيفية و حجم الاسرة و الكفاءة و الانجاز الي اخر المعايير المتعارف عليها في الدول. كما يمكن بيع بعض المركبات الخاصة بالنقل او المركبات الكبيرة في مزادات عامة عبر تقديم عطاءات و بذلك يمكن الخروج من دائرة الاتهام بالغرض او المحاباة او حتي الفساد المالي و الاداري.

 اخيرا جاء الوقت الذي يوجب الالتفات في السودان الي ضرورة ترشيد الصرف الحكومي و إيقاف الكسب غير المشروع من المناصب الحكومية خاصة العليا . يستلزم ذلك إيجاد البدائل المناسبة لنظام الحوافز خارج القنوات الرسمية لكسب دخل اضافي مما يستلزم إصلاح نظام الأجور و حقوق ما بعد الخدمة و المعاشات. من جانب اخر لابد للدولة السودانية ان تلزم المسئولين الحكوميين بحصر استخدام الأصول العامة بما فيها العربات لأغراض العمل فقط كما هو في بلدان العالم المتحضر ، و عليهم الذهاب الي المآتم و بيوت الأفراح و أعياد الميلاد و المناسبات الخاصة بمركباتهم الخاصة و ليس علي حساب المواطن البسيط ، الا اذا كان هناك اعتقاد في الدولة السودانية بان الموظفين العامين و المسئولين الحكوميين ليسوا في الخدمة العامة و قد تحصلوا علي تلك الامتيازات بفضل خدمتهم  و انما تحصلوا عليها وفقا لمعايير اخرة خاصة ، او لكونهم ملوك و أمراء مما يستلزم تكريمهم باستخدام المال العام للأغراض الشخصية.