من الغريب ان بلد تحيط به الأزمات من أركانه (السبعة) يتصرف بغالبية مكوناته  وجماعاته التاريخية (التي لا يمكن تسميتها مؤسسات)،  وكأن شيء لم يحدث وان الأمور في نصابها. لقد مرت سنوات اتفاقيات السلام الشامل دون ان تحرز البلاد تقدما إلي الأمام بالرغم من إجراء الانتخابات العامة والاستفتاء. النتيجة استمرار سيطرة المؤتمر الوطني علي الحكم في الشمال، انفصال الجنوب وتمترس أحزاب المعارضة عند مواقفها القديمة دون جديد يذكر. كل ذلك يتم في غياب رؤية واضحة للتغيير او الإصلاح، بل حتي الأحزاب والجماعات التي تدعو لإسقاط النظام لم تقدم رؤية مشتركة، واضحة المعالم لاستقطاب الرأي العام والتأييد غير تلك المستندة الي فشل النظام. لم تتضح الصورة حول النظام السياسي، إذ أن هناك رؤى مختلفة بين قوي المعارضة حول طبيعة النظام هل هو برلماني ام رئاسي ناهيك عن تفاصيل اي من النظامين. هناك الاختلاف حول التقسيم الإداري للبلاد بين الأطراف والمركز وبين مركزية ولا مركزية الحكم. بالرغم من كثرة الآراء والأطروحات إلا أنها لا زالت تعاني من الثغرات والتباين وتعدد التوجهات لدرجة تدخل المواطنين في شكل عميق من الالتباس الذي يجعل من الصعوبة تحديد خيار ما والانحياز أليه والاستعداد للعمل تحت رايته. ربما تكون أكثر الرؤى وضوحا هي تلك الخاصة بمنظمات المجتمع المدني والجماعات التي اختارت السلاح حلا، إلا أن كل من الخيارين الأخيرين يواجهان كثير من الصعوبات والافتقار لمقومات النجاح لاسيما وان خيار السلاح والحلول الأمنية معا،  لم تعد من الخيارات التي تلاقي القبول او تحقق النجاح في عالم اليوم ابتدأ من ثورات الربيع العربي وانتهاء بغزوات الدولة الاقوي في العالم في كل من أفغانستان والعراق، مرورا بالنموذج الليبي الذي يعتبر أسوأ الخيارات قاطبة.إضافة لذلك فان معظم حركات التحرر الوطني الساعية نحو الديمقراطية قد اختارت النضال السلمي طريقا لتحقيق أهدافها منذ مطلع الألفية الثالثة كما حدث في أمريكا اللاتينية وعدد من الدول الأسيوية كان أخرها بورما ( اتحاد ميانمار) التي استجابت طغمتها العسكرية الحاكمة لرياح التغيير ووعدت بإجراء انتخابات حرة في البلاد. أما منظمات المجتمع المدني فهي منظمات مساعدة تقدم الرأي وتقترح الحلول وهي بالرغم من جديتها وأهميتها لم تجد آذانا صاغية من احد.
في هذه الأجواء جاءت الحكومة (الجديدة) التي تراوحت ردود الفعل حولها بين اللامبالاة وخيبة الأمل، بالرغم من رتق ثوبها بعناصر من أتباع السيد محمد عثمان الميرغني المقربين الذين تم استيعابهم داخل حكومة المؤتمر الوطني، بعد التوسعة إضافة لاستيعاب نجلي زعيمي الختميه والأنصار داخل القصر. خيبة الأمل انحصرت في الذين كانوا يتوقعون اختراقا يمهد لعهد جديد ويضم عناصر شابة من داخل الحزب الحاكم تقدم نفسها برؤية مختلفة لحل أزمة البلاد. أما  اللامبالاة فكانت طابع ردود الفعل الشعبية المهمومة بكسب عيشها ولا تهمها التعديلات الحكومية في شيء، وإنما تريد ان تري نتائج ايجابية تحسن من وضعها المعيشي المضني، خاصة وان عينها علي الموازنة الجديدة التي من المتوقع ان تأتي بزيادات جديدة في الأسعار دون اي انفراج في في ضائقة العيش. بخصوص أسعار البنزين التي أحاطت بالجدل حول المتغيرات الجديدة فقد وجدت اهتماما اكبر من الخاص بتشكيل الحكومة الأخيرة. في هذا الشأن نتوقع ان تتم زيادة البنزين، وهو أمر يبدو حتميا مع ضيق الخيارات أمام الحكومة ان لم نقل انعدامها. حتى أذا لم تتم الزيادة بالتزامن مع إجازة موازنة 2012م فغالبا ما سيحدث ذلك خلال الربع الأول من العام القادم او في أحسن الأحوال قبل الموسم الزراعي القادم، وهذا الإجراء في حالة حدوثه، سيكون كارثة مكتملة الأركان أو ما يمكن تسميته (بالحماقة الاقتصادية البحتة).
والحال كذلك تطفو عدة تساؤلات الي السطح حول رؤية الحكومة التي تم تشكيلها أخيرا وحول رؤية مغايرة (بديلة) لها. من الجيد معرفة البرامج المطروحة من الحكومة والمعارضة لمواجهة تحديات الإجابة علي أسئلة تدور حول محاور البرنامج السياسي، الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن ان يشكل رؤية بديلة لمنهج الأزمة السائد والمتصاعد في السودان.
أولا: كيف يمكن معالجة مشكلة الدستور الدائم ؟ الحكومة مواجهة بوضع دستور يكفل الحريات الواردة في دستور 2005 الانتقالي وان يتم تطوير عناصر ذلك الدستور الذي لم يطبق في أكثر بنوده جوهرية. المحك ان يؤدي الدستور الجديد الي كفالة الحريات وضمان قيام آلية لانتخابات حرة نزيهة تؤدي الي التداول السلمي للسلطة وبناء نظام سياسي مستقر، يحترم ويكفل الحقوق والحريات ويؤسس للواجبات ويرسي قواعد المؤسسية والمساواة أمام القانون. هل هناك رؤية حول تنمية سياسية للبلاد؟ علي سبيل المثال ما هي الرؤية السائدة حول كفالة حق الإنسان في الحياة الكريمة والتنمية؟ ما يهمنا من التنمية السياسية هنا هو  دراسة الإمكانيات المتوفرة للمجتمع و الموارد المتاحة و توظيفها بأفضل شكل ممكن للصالح العام. لكن هذا لن يحدث بدون إعادة البناء السياسي للدولة بمؤسساتها، مع سيادة حكم القانون وكفالة الحريات واجتثاث جميع أنواع الفساد من جذورها. هل هذا ممكن؟ كيف سيتم ذلك؟ في اي مدي زمني؟ 
ثانيا: في الشأن الاقتصادي ما هو البرنامج الذي سيخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها ووضعها في مسار النمو والازدهار؟ هناك مشاكل التدهور المعيشي وارتفاع معدلات الفقر الجماهيري إضافة لجيوش البطالة وانخفاض عائدات الأعمال خاصة في الولايات مما دفع بأعداد متزايدة من المواطنين الي النزوح نحو المدن. كان من أهم نتائج ذلك هو ارتفاع معدلات الفقر (الحضري)، بالرغم من ان المدن قد تم ترييفها علي الأقل من الناحية الاجتماعية. كيف إذن سيتم التصدي لتحدي التنمية الاقتصادية؟ هل بانتهاء اجل البرنامج الاسعافي (الذي هو في نفس الوقت البرنامج الاقتصادي المعتمد للمؤتمر الوطني للسنوات الثلاث القادمة)، سيتم الإنعاش الاقتصادي ويسترد الاقتصاد عافيته؟ تلك العافية ستقيم بحسب تحسينها من الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطن العادي ولعائدات عناصر الإنتاج الرئيسية، بشكل يكفل فرص عمل كافية ويحقق ارتفاعا حقيقيا في الدخول، استقرار الأسعار وإنعاش قطاع التجارة الخارجية ويعيد ميزان المدفوعات الي توازنه. هل هناك رؤية جدية حول هذا المحور، بعد تشكيل الحكومة الأخيرة باستيعاب عناصر جديدة؟ أم ان الوضع هو هو بلا تغيير مما يعني ان القطار قد اخذ (سنده) ليلحق به ركاب جدد قبل ان يواصل انطلاقه في نفس المسار المرسوم؟
ثالثا: في الجانب الاجتماعي فقد تسبب الفقر والبطالة المزمنة وتداعيات الحروب إضافة لغياب او تخلف الجوانب الخاصة بالرعاية الاجتماعية وضمان حقوق الأقليات والشرائح الاجتماعية الضعيفة، تسببت تلك العوامل في أمراض خطيرة. من تلك الأمراض التفكك الاسري والتحلل من القيم الاجتماعية في المعاملات والحراك الاجتماعي. ظهرت أمراض نفسية كثيرة من ضمنها الدجل والنفاق وانتشار الشعوذة والخرافة، تفشي الحسد والتملق وإضاعة الوقت،خاصة عبر الموبايل والانترنت دون التعامل الرشيد مع التكنولوجيا، حتي انك عندما تدخل الي طبيب للعلاج أو إلي موظف حكومي فانه غالبا ما يترك ما بيده من عمل لينصرف الي محادثة مليئة بالثرثرة وفارغ الكلام. أما حالات الغش التجاري والاحتيال فقد أصبحت مظاهر يومية لحد انعدام الثقة في كل شيء. يضاف لكل ذلك تفشت أنواع غريبة من الجريمة مثل اغتصاب الأطفال وخطفهم، قتل الأقرباء انتشار تعاطي المخدرات وظهور عديد من الأمراض الفتاكة ذات الصلة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي مثل الايدز والسل والكلازار وغيرها. بشكل عام تفشت ظواهر السلوك العدواني المضاد للمجتمع وانتشر نمط الشخصية السيكوباتية. علاج هذه الظواهر يحتاج لمعالجة تامة للمناهج التعليمية والتربوية التابعة لتوفيق الأوضاع السياسية والاقتصادية. بالتأكيد معالجة المشاكل الاجتماعية وثيقة الارتباط بالبرامج السياسية والاقتصادية. 
أخيرا يمكن التساؤل هل ستحقق هذه الحكومة السلام  والاستقرار الاجتماعي؟ هل تستطيع التصدي لمعالجة المشاكل العالقة ذات الصلة باتفاقيات السلام الشامل سواء تلك المتصلة بالعلاقة مع دولة الجنوب او المناطق الثلاث ودارفور؟ الإجابة علي تلك الأسئلة متصلة بتوفيق الأوضاع مع المجتمع الدولي واستيفاء شروط المناخ الملائم للاستثمار. بالطبع الحكومة وبما يتوفر لها من إمكانيات تستطيع توضيح رؤيتها حول تلك المشاكل وكيفية الخروج منها أكثر من المعارضة، إلا إن ما يظهر حتي الآن هو فقط منهج المؤتمر الوطني المعروف دون إضافات من الثلاثة عشر حزبا الاخري التي أشار إليها مساعد الرئيس لشئون الحزب عند إعلانه للحكومة، أهم الأطراف المسئولة عن الإجابة هي عناصر الاتحادي الديمقراطي المشاركة في الحكومة وحركات دارفور الموقعة علي اتفاقية الدوحة. أما إذا أقمنا مسابقة حول تسمية الأحزاب المشاركة في الحكومة فان من سيحرز المركز الأول لن يستطيع أن يعد أكثر من خمسة أطراف علي وجه التحديد من أهمها المؤتمر الوطني، ثم المؤتمر الوطني... سنظل في الانتظار عسي ان نحصل علي رؤية تليق بوطن مأزوم مثل السودان للخروج به من أزماته المستحكمة، عند ظهور رؤية جديدة سيتم الاقتناع فعلا بان هناك شيء جديد يمكن ان يحدث.،
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]