د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   تفاوتت ردود الفعل حول خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي وجهه للشعوب الإسلامية يوم الخميس الرابع من يونيو 2009م. كان هناك الكثير من ردود الفعل الايجابية و الموضوعية كما كان هناك من تحفظ علي الخطاب و رأي انه لم يلبي مطامحه و ابدوا تحفظاتهم بشكل منظم و من حقهم ان يفعلوا ذلك. بالمقابل كان هناك الكثير من الخزعبلات و الآراء السطحية و الاماني التي لا معني لها و كأن الرئيس اوباما قد انتخب في دولة عربية او اسلامية و لم ينتخبه الشعب الامريكي رئيسا له. ليس ذلك غريبا علي العالم الاسلامي المليء باشخاص يكرهون كل جديد و يخافون منه لذلك يجدون المبررات لقتل أي مبادرات ايجابية تخرج بالعالم الاسلامي الي التعامل الايجابي مع العالم في البحث عن التقدم و الرفاهية للشعوب التي تعاني من الفقر و المرض و التخلف و تجر ورائها نزاعات لا حد لها بين أبناء الشعب الواحد و بين أبناء الدين الواحد.

 كان مدخل الخطاب ايجابيا و بالرغم من ان الخطاب موجه نحو العالم الاسلامي و لكنه وضع في حساباته الرأي العام الامريكي و العالمي. لذلك اكد اوباما علي مسيحيته مع تأكيده علي انحداره من اب مسلم و من عائلة تنتمي الي اجيال من المسلمين. ذكر الخطاب ان الوقت وقت نزاعات و اشار في بادرة نوعية الي ان تلك التوترات قد غذاها الاستعمارالذي عامل شعوب المنطقة كشعوب تابعة . تمت الاشارة االي ان تلك التوترات خلقت جوا من انعدام الثقة و الكراهية خاصة بعد احداث 11 سبتمبر، لذلك لابد من البحث عن قواسم مشتركة دون اقصاء او تنافس. اشار اوباما الي ان التغيير لن يحدث بين يوم وليلة و ان خطابه لن يحل المشاكل و انما الهدف هو البحث عن بداية جديدة و وعد بمحاربة الصورة النمطية المعادية للاسلام في امريكا و التي تظهره كدين عنف و طلب من العالم الاسلامي معاملة امريكا بالمثل. لم ينسي الرئيس الامريكي ان يؤكد بان الحضارة العالمية مدينة للاسلام في زرع التسامح الديني و المساواة العرقية و مدينة له في العمارة و الطب و الموسيقي و في الطباعة و الخط العربي الاسلامي. و وصل الي ان القوة في الاتحاد و ان امريكا ليست في حرب مع الاسلام و انما تحارب العنف و قتل الابرياء و اثارة الكراهية بين الشعوب.

 

  كان الخطاب مهما لانه اوضح معالم السياسة الامريكية نحو الدول الاسلامية خلال فترة الرئاسة الممتدة لاربع سنوات و يعتبر خطابه برنامج عمل علي الدول الاسلامية تحويله الي اجندة سياسية في تعاملها مع الادارة الامريكية الجديدة . كان الخطاب نوعيا لانه الاول لرئيس امريكي يأتي الي المنطقة و يختار جامعة عريقة في دولة اسلامية مهمة ليخاطب شعوب المنطقة منها. الاختلاف هنا هو ان الرؤساء السابقين لامريكا كانوا يتعاملون مع الانظمة في المنطقة كأنظمة تابعة لامريكا مدينة لها ببقائها في السلطة و تمارس معها سياساتها في الخفاء. لقد خرج اوباما برؤيته و برنامج عمله الي الهواء الطلق مخاطبا في العلن و مباشرة الشعوب الاسلامية طالبا منها الشراكة و معلنا احتياج امريكا للتعاون معها للتخلص من العقبات التي تعترض التعاون المثمر. كان الخطاب منهجيا في رؤيته الواضحة التي تشبه الي حد كبير محاضرة اكاديمية محكمة في طرحه للموضوعات و توضيحها بإيجاز و بشكل بسيط و مفهوم و خروجه بنتائج واضحة في المحاور السبعة التي اثارها.

 

   كان المحور الاول هو العنف و محاربة الارهاب و ذكر فيه ان المواجهة ليست مع الاسلام و انما مع المتشددين العنيفين و انه سيدافع عن سلامة الشعب الامريكي و ذكر ان الاسلام ليس جزءا من المشكلة و لكنه أساسيا في الحل. المحور الثاني كان عن العراق ، هنا اشار اوباما الي توقيت محدد للانسحاب الكامل و هو نهاية العام 2012م ، مع بداية الانسحاب التدريجي من يوليو القادم . و ذكر انهم سيساعدون العراق في بناء قدراته الامنية مع تأكيده علي حق امريكا في الدفاع عن نفسها مع احترام القانون و بالشراكة مع الاخرين ، مع تأكيد قاطع بمنع التعذيب و اغلاق غوانتنا ما. المحور الثالث دار حول الصراع العربي الفلسطيني و قد اشار فيه بوضوح قاطع الي انه ضد الاستيطان و مع حق اقامة دولتين تتعايشان بسلام جنبا الي جنب. و بالرغم من عدم اشارته للمجازر التاريخية التي ارتكبها اليهود – رغم تاكيده علي معاناة الشعب اليهودي و ادانته لانكار المحرقة -  في حق العرب مسلمين و مسيحيين و المجازر ضد الشعب الفلسطيني ،الا انه و مقارنة مع جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين قد ذهب بعيدا في وضوح رؤيته لحل النزاع العربي الاسرائيلي و في تأكيده علي حق الفلسطينين في اقامة دولتهم المستقلة و ان تكون القدس مدينة مفتوحة لجميع الأديان و لم يقل انها عاصمة لاسرائيل. و الموقف حول القدس رغم انه لم يأتي حسب الرؤية الاسلامية و الفلسطينية ( بمسلميها و مسيحيها) الا انها كانت مختلفة حتي عن رؤية الحملة الانتخابية لاوباما و التي كانت مؤيدة لان تكون القدس عاصمة للدولة الأسرائيلية.

 

 في المحور الرابع تناول خطاب الرئيس اوباما الموضوع الايراني و اكد فيه علي حق ايران في استخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية بشرط توقيع معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية. ذكر الخطاب ان ادارة اوباما ستتحدث مع الايرانيين في المجموعة السداسية و منبها الي ان الاسلحة الذرية يمكن ان تدخل المنطقة في سباق خطير للتسلح. في الموضوع الخامس تحدث اوباما عن الديمقراطية و ذكر ان امريكا لن تفرض نظاما معينا علي أي دولة اخري لكنها ترحب بكل الحكومات المنتخبة بطريقة سلمية . و نبه الي الجماعات التي تنادي بالديمقراطية عندما تكون خارج الحكم و عندما تصل الي السلطة تنقلب عليها . كما اكد الخطاب علي حقوق الأقليات و ان الديمقراطية الانتخابية و حدها لن تعني الكثير و انما العبرة في الممارسة الحقيقية.

 

  في الموضوع الخامس تناول الخطاب الحريات الدينية منوها الي ان تعدد الاديان يثري الحياة العامة مع التنبيه الي عدم التقليل من تدين الآخرين و المحافظة علي حقوق الاقليات الدينية ذاكرا بالتحديد كل من الاقباط و الموارنة. تناول خطاب الرئيس الامريكي في محوره السادس حقوق المرأة. و هذا موضوع إشكالي في العالم الإسلامي لذلك وجد حقه في الخطاب. تمت الاشارة الي حق النساء في التعليم و العمل و المساواة، و ان البلدان التي تحظي فيها النساء بالتعليم و المساواة تتمتع برفاهية اكبر في الحياة. لكن الرئيس الامريكي لم ينسي ان يميز خطابه الموجه الي العالم الاسلامي بان المساواة لا تعني بالضرورة ان تفعل النساء ما يفعله الرجال و ذكر انه يحترم حق النساء التقليديات في تفضيلهن البقاء بمنازلهن بشرط ان يكون ذلك خيارهن و ليس مفروضا عليهن. جاء ذلك مع اشارته لحق النساء المسلمات في ارتداء الحجاب في امريكا دون قيود. أليس ذلك اختلافا نوعيا مقارنة مع موقف العديد من دول العالم بما فيها بعض الدول الإسلامية؟

 

    اما في المحور السابع و الأخير فقد تطرق الرئيس الامريكي للتنمية الاقتصادية و تكافؤ الفرص. هنا تحدث عن التبادل التجاري و ان التجارة تخلق الفرص و تنتج النزاعات في نفس الوقت.و نبه لضرورة ان لا نفقد خياراتنا بسبب الحداثة و دعي لضرورة المزاوجة بين الحداثة و القيم و التقاليد السمحة للشعوب. تناول موضوع التعليم و الابتكار و محاربة البطالة خاصة بين الشباب . و اشار اوباما الي ان " التعليم و الابتكار هما عملة القرن الواحد و العشرين" . يعتبر ذلك امرا بديهيا في خطاب رئيس وضعت ادارته التعليم كاولوية ثالثة لها. كان الحديث مثمرا حول التعاون بين العالم الاسلامي و امريكا في مجالات التعليم و الابتكار و التدريب. كما ذكر انهم بصدد اقامة مجموعات مشتركة من رجال الاعمال و العلماء للبحث عن فرص الاستثمار المشتركة اضافة الي تبادل المنح و التدريب بين امريكا و العالم الاسلامي و استخدام كوادر جديدة من الاقتصاديين لتطوير التعاون مع الدول الاسلامية في اقامة المشاريع و الابتكار و التكنولوجيا. كما وضح انهم بصدد اقامة مراكز في افريقيا و الشرق الاوسط لترسيخ التعامل العلمي اضافة للتعاون في مجالات البيئة و الصحة.

  في خاتمة خطابه اشار الرئيس الامريكي الي ان الحاجة ملحة في بذل جهود جبارة من اجل التعاون و احترام كرامة جميع البشر و ذكر ان الحرب اسهل من السلام كما نبه الي ضرورة النظر الي داخل الذات بدلا عن النظر للاخرين فقط و القاء اللوم عليهم. كما وضح انه اذا اخترنا ان نكون سجناء الماضي فلن نحقق شيئا و " اننا جميعا شركاء في العالم في لحظات قصيرة " في الاشارة الي محدودية بقاء الانسان علي الارض. الكرة الآن في ملعب الدول و الشعوب الاسلامية ان أرادت استغلال المنعطف الكبير الذي تمر به امريكا اليوم و اذا ارادت الاستثمار المجدي في فترة ادارة الرئيس اوباما و التي قد لا تتكرر في الامد القريب. علي الدول الاسلامية و منظمات المجتمع المدني و القوة الحية في المجتمعات المسلمة ان تحول ما جاء في خطاب الرئيس الامريكي الي برامج عمل في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية و ان تكون جادة في فعل شيء لنفسها قبل ان تطالب الآخرين بان يتصدوا لحل مشاكلها. من الافضل للدول و المجتمعات الاسلامية ان تلتقي مع ادارة اوباما في منتصف الطريق بدلا من ان تنتظر ان تتقدم نحوها تلك الادارة الي ما لا نهاية. علي الحكومات الاسلامية بما فيها الحكومة السودانية ان تترك اراء الهواة و اليائسين و ان تلتفت الي العمل الجاد و المؤسس في فتح صفحة جديدة مع الادارة الامريكية الحالية و ان تتلقف الاشارات الايجابية العديدة الآتية من وراء البحار و ان تحسن استثمارها. و لا تدعوا الفرصة تفوتكم.