د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   

تعتبر اليوم القروض و علي نطاق واسع وسيلة لتعويض الخسائر الناتجة عن الازمة المالية من ناحية استخدامها في تحفيز النمو من جهة و دعم المؤسسات و الشركات التي تعاني من صعوبات مالية. بذلك يتعقد مفهوم القروض  و دورها في اقتصاد ما بعد الأزمة المالية العالمية. في الاصل هنالك ازدواج في مفهوم و معايير القروض ، ينتج ذلك من ان الدول الغنية وضعت اساسا قويا للاقتراض من الجمهور عبر السندات الحكومية. من جانب اخر تقترض الشركات الخاصة ايضا من الجمهور من خلال توريق الاصول و اصدار السندات القابلة للتداول في اسواق المال و بالتالي فان تلك الشركات تقترض من الاسواق الاولية و بشكل اكبر من الاسواق الثانوية و تجني بتلك الطريقة اموالا طائلة من المدخرين المحلين و الأجانب. هذا جانب من القروض اما الجانب الثاني فهو المتعلق بالقروض الخارجية أي ما يعرف بالدين الخارجي. و من المعروف ان تلك الديون تثقل كاهل الدول الفقيرة و تجعلها تحت رحمة المقرضين الاغنياء سواء ان كان ذلك بشكل مباشر بين الدول او عبر مؤسسات التمويل الدولية خاصة البنك و صندوق النقد الدوليين.

 

من المؤكد ان الاغنياء هم الاكثر استعدادا لاخذ الديون و الاستفادة منها لذلك نجد ان اكبر الدائنين هم الدول الغنية و الشركات الكبري ذات القدرات المالية العالية بما فيها بالطبع المصارف و شركات التأمين ، لذلك عندما ضرب زلزال الازمة المالية العالمية العالم انكشف المستور و اخذت الشركات و البنوك في الانهيار و ساءت القدرة المالية للدول و منها من اعلن افلاسه صراحة كما حدث في حالة أيسلندا. من المهم اذن ربط القدرة علي الاقتراض بمؤشرات الاداء الاقتصادي. هنا لا يمكن الحديث عن قدرة دولة ما علي الاقتراض بمختلف أشكاله و عن إمكانية تحويل تلك القروض الي انتاج و مساهمتها في التراكم الرأسمالي دون ان تكون هناك مؤشرات اداء جيدة في اقتصاد الدولة المعنية. ينطبق ذلك ايضا علي الاستثمار الأجنبي  لان المستثمرين الاجانب يعتمدون بدورهم علي مؤشرات معينة منها القدرة علي الادخار و إمكانية الحصول علي القروض و توفر قدرات استهلاكية مدفوعة بارتفاع الطلب الكلي.

 

من كل ذلك نخلص الي جودة المؤشرات الاقتصادية كعامل أساسي للقروض و من اهم تلك المؤشرات تحقيق نمو حقيقي جيد للناتج القومي وفقا للوضع الاقتصادي للدولة و درجة تطورها و تطور الإنتاجية المعتمدة علي تكنولوجيا و تقنيات الإنتاج. المؤشر الثاني يرتبط بمستوي دخل الفرد و المستوي المعيشي للسكان و علي هذا المؤشر تعتمد العديد من العوامل المهمة في تقويم الاداء الاقتصادي للدولة. هنالك ايضا مستويات الاسعار و التضخم  قياسا علي الارقام القياسية لمستويات المعيشة ، اضافة لمعدلات البطالة و التوازن في ميزان المدفوعات و لحد ما عجز الموازنه. بالنسبة للدول النامية هنالك مؤشرات اخري مرتبطة بمعدلات الفقر و المرض و الأمية و انتشار الجريمة و الاضطرابات و  يعتبر عجز الموازنات اكثر أهمية في التقويم للدول النامية. تلك هي المرتكزات الاساسية التي تستخدم كاطارا جيدا و مستقيما لتحليل الحالة الاقتصادية للدولة و تحديد قدرتها علي الاقتراض و القدرة المالية لاقتصادها العام و الخاص و مدي استفادتها من القروض و من التدفقات النقدية من الخارج.

 

 في غياب تلك المرتكزات فان الديون و القروض و التدفقات النقدية الاخري تصبح وسيلة للنهب كما هو الحال في الديون الخارجية التي تعتبر اداة لاستنزاف الموارد و الابتزاز السياسي في الكثير من الحالات. اذا ارتفعت المديونية الخارجية و حجم القروض الداخلية في غياب المؤشرات المذكورة فان النتيجة الحتمية هي التدهور الاقتصادي و ارتفاع معدلات الفقر و اتساع الهوة بين الفقراء و الاغنياء و زيادة الغبن الاجتماعي مما يعرض الدولة للمزيد من الضغوط و يدفعها الي تقديم مواردها للأجانب بأبخس  الأثمان .

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.