د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

  

في الاسطورة الشعبية ان للغول سبعة رؤوس لذلك عندما اختطف " فاطنه  السمحه"  قام " حسن الشاطر " بالتصدي له و قطع رؤسه السبعة الواحد بعد الاخر. لكن غول الغلاء الذي يختطف الأخضر و اليابس في السودان لا احد يعرف عدد رؤوسه و لا يوجد بطل يقوم بمقاومته بالسيف او حتي التفاوض معه بالطرق السلمية او يعلن إضرابات وهمية في وجهه. هذا و الله امر خطير جدا ، ركود في الاسواق و ارتفاع مستمر في الاسعار مع تراجع كبير في دخول ما لا يقل عن 95% من الشعب السوداني الذي يعتمد في دخله علي مصادر محدودة من مرتبات و اجور و زراعة و مهن و صناعات صغيرة او دخل من عقار مؤجر او خلافها من عناصر. لا يمكن ان تتدهور ظروف الحياة الي هذه الدرجة و تقف الحكومة موقف المتفرج و كأن الأمر لا يعنيها. يبدو ان السبب هو ان الحكومة نفسها هي المتسبب في الغلاء بسياساتها المالية و النقدية و بخصخصة الخدمات الاجتماعية و بعدم امتلاكها لسياسة لمراقبة الاسعار و التدخل لكبح جماح الغلاء. في الدول المعتمدة علي اقتصاديات السوق يتم اتباع سياسات كلية مرنة تعمل تلقائيا علي تنظيم العرض و الطلب. لذلك نجد الاسعار ترتفع عند الانتعاش الاقتصادي و ارتفاع الطلب الكلي و تنكمش في أوقات الركود و الكساد كما يحدث اليوم في دول العالم الذي وصلت فيه معدلات التضخم الي الصفر او الي نسب سالبة في الكثير من دول العالم بسبب الركود الناتج عن الأزمة المالية.

 

  اكثر من ذلك لجأت معظم دول العالم الي تنشيط الطلب و دعم القوة الشرائية عبر الدعم المباشر او عبر التخفيضات و الحوافز الضريبة و تخفيض اسعار الفائدة، كما استخدمت اعانات الطوارئ إضافة للسياسات المعتمدة أصلا في دفع إعانات البطالة التي تصل في معظم دول اوربا الغربية الي حوالي 1250 يورو كمؤشر للحد الادني الذي يستحق أي مواطن الاعانة بمجرد ان يصل أجره إليه ( يعني ذلك انه في تلك الدول ، مثل فرنسا و المانيا كل من يقل دخله عن ذلك المستوي يعتبر مسكينا يستحق الزكاة) . ما دام الاقتصاد السوداني لا يسمح للدولة بالقيام بوضع نظام للمدفوعات التحويلية و سياسات الدعم و ما كان يعرف قديما في السودان ب " بند البطالة " فعلي الاقل يمكن للحكومة السودانية اتباع بعض الخيارات الاقتصادية المعروفة في النظريات الاقتصادية الحديثة. من تلك الخيارات ما دفعت به الازمة المالية العالمية التي اجبرت الدول علي اعتماد نظام تشكل الاسعار الذي كان البعض يعتقد انه حكرا علي النظام الاشتراكي. يعني تشكل الاسعار (  Formation of Prices ) وضع سياسة مخططة للاسعار و مراقبتها عبر المؤسسات الحكومية بهدف تثبيت الاسعار. كثير من الدول تفعل ذلك مثل مصر و بعض دول الخليج ناهيك عن الصين و الهند التي تثبت اسعار السلع و الخدمات الاساسية لفترات طويلة. هناك العديد من الخيارات الاقتصادية التي تضع مؤشرات للاسعار علي اساس مراقبة النشاط الاقتصادي و التحكم فيه عند رسم السياسات الاقتصادية العامة للدولة و تعتبر هنا سياسة الاسعار المعتمدة لتشكل اسعار اداة فعالة في السياسة الاقتصادية للدولة.

 

 من غير المقبول ان تكون اسعار السلع و الخدمات كما هي عليه في السودان بان يصل كيلو الطماطم الي 5 جنيهات و  جركانة زيت السمسم الي 70 جنيها و زيت الفول الي 65 جنيها و كيلو البطاطس و البامية الي 5 جنيهات لكل منهما مع ارتفاع اسعار الكهرباء و المياه و الادوية و الخدمات الطبية و قيمة العوائد . بهذا الشكل ما هو الحد الادني للأجور و ما هي تكاليف المعيشة اللازمة لاسرة مكونة من 5 افراد. اذا قمنا بالقياس في ظل المستويات السائدة للاسعار فسنجد ان مستويات الفقر في السودان قد وصلت الي ارقام قياسية و سجلت اعلي مستوياتها العالمية . هذا وضع يتطلب التدخل السريع و الفاعل كما يستدعي مراجعة مجمل السياسات الاقتصادية المتبعة في السودان و التي أوصلت الوضع الي ما هو عليه اليوم.

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.