من المفترض في الحكومة، اي حكومه ان تسيطر علي الذعر الاقتصادي اي كانت اسبابه وان تحد من اثاره وتداعياته. ما حدث في السودان كان عكس ذلك، اذ وبعد ان اتضح للحكومة وبشكل مؤكد ان قرار الحركة الشعبية اصبح وبلا مناص هو الانفصال، اصابها (الحكومة) ذعر اقتصادي بين. بادرت الحكومة في نهاية العام الماضي وقبل اجازة موازنة العام الجديد الي زيادة اسعار الوقود والسكر كما رفعت فئات الضريبة علي القيمة المضافة علي عدد من السلع والخدمات وكذلك عدد من الرسوم وقد وصفنا تلك الاجراءت حينها (بام الكبائر). ساهم ذلك في تفشي حالة الذعر الاقتصادي التي المت بجميع مكونات المجتمع، تبع القطاع الخاص الذعر الحكومي واصاب الذعر المنتجين والمستهلكين، المستثمرين  والبنوك، شركات التأمين والمصالح الخدمية الي ان اصبح هو الحالة المسيطرة علي جميع اوجه الحياة والسلوك الاقتصادي.
اهم اثار الذعر الاقتصادي كان ارتفاع حاد في معدلات التضخم مع ركود حاد في الاسواق ونقص في النقد الاجنبي مما ادي الي تدهور مستمر في قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الانتاج. في بعض الاحيان تكون نتائج الذعر الاقتصادي اشد خطورة من السبب فيه. يري بعض الاقتصاديين ان الذعر الذي اصاب الاسواق بعد انهيار مصرف ليمان براذرز كان مؤثرا بشكل ادي الي تفشي الازمة المالية العالمية علي نطاق جعل من الصعب السيطرة عليها. علي سبيل المثال اوردت صحيفة فينانشيال تايمز، في تعليق لها بمناسبة مرور عام علي الازمة المالية، مستندة الي وصف محافظ بنك إنجلترا المركزي مارفن كنغ بأن عام 2008 كان عاما شديد الصعوبة، اوردت الصحيفة ان "انهيار البنك العملاق وبالرغم من ان الخسائر المباشرة له لم تكن كبيرة فإن، الذعر الذي أصاب الأسواق المالية والبنوك والشركات تسبب في أضرار للاقتصاد العالمي فاقت أزمة النفط في بداية سبعينيات القرن الماضي وانفلات السيطرة على التضخم في نهاية تلك السبعينيات، كما فاقت انهيار سوق التقنية في مطلع القرن الحالي".
بالفعل فان نتائج الذعر الاقتصادي والمالي تكون مدمرة خاصة في حالة فقدان الحكومات السيطرة عليها في الوقت المناسب واستخدام الادوات المناسبة للسيطرة. تنعكس النتائج علي النشاط الاقتصادي والاصول ويكون اثرها مدمرا علي الدائنين مثل البنوك، مؤسسات الاقراض والشركات التي تعمل بنظام البيع بالتقسيط. انخفاض القيم الحقيقية للاصول والودائع وقيم الديون تؤدي الي تداعيات علي الاستثمار والادخار والتراكم الرأسمالي. ما حدث في السودان فاق كل ذلك اذ وصل الي ارتفاع كبير في معدلات التضخم ادت الي انهيار الاثمان ، تراجع فرص الاستثمار اما الادخار فقد وصل الي درجة من العدم ادت الي انحصاره علي ذوي الجاه والسلطان.
كان من اولي اولويات الحكومة السيطرة علي الذعر الاقتصادي اذا لم تتمكن من منع حدوثه. الجميع يذكر ما حدث ايام الاستفناء وحالة الخوف التي دفعت نحو اكتناز العملات الصعبة وبيع الاصول وتهريب المدخرات الي الخارج، في حالة من التهديد المباشر للنشاط الاقتصادي. اما اليوم فان الاجراءات التي تقوم بها الحكومة الاتحادية ووولاية الخرطوم للسيطرة علي انفلات الاسعار وحالة الذعر الاقتصادي، فلن تعدو ان تكون ركض وراء الاحداث، دون معالجة الاختلالات الاقتصادية الهيكلية التي ادت لها. المفيد هو تغيير اهداف السياسة الاقتصادية في مجملها وهذا لن يحدث الا في واقع سياسي – اقتصادي مختلف نوعيا.
من المعلوم ان الازمات، حتي قبل ان تتسبب في الذعر الاقتصادي العام تزيد من تكلفة الحكم. في حالة السودان فان تكاليف نظام الحكم باهظة لدرجة الاهدار المريع للموارد. بالاضافة للتضخم الاداري الدستوري علي مستوي الوظائف العليا فان تكلفة الحكم الفيدرالي غير مبررة باي اسباب اقتصادية – تنموية او اجتماعية ذات ابعاد ايجابية علي الامن الاجتماعي. الدليل علي ذلك هو اشتعال الحروب في مناطق واسعة تفتقر الي التنمية بعد مرور عقود علي تجربة الحكم الفيدرالي. ليت الامر يتوقف علي ذلك فهناك مصادر تهديد تتجدد يوميا كما ان حالة الامن الغذائي وتثبيت اسعار السلع والخدمات الاساسية تبدو اهدافا بعيدة المنال. السؤال هو: ما هي الجدوي الادارية لنظام حكم تزداد تكلفته يوميا دون مردود تنموي يحقق الاستقرار والامن الاجتماعي؟ اذا كانت هناك جدوي عامة تنعكس ايجابا علي النشاط الاقتصادي فما هي؟ واين توجد؟ اما اذا كانت الاجابة هي انعدام تلك الجدوي (التي تعني تناسب التكاليف الادارية وتكلفة النظام السياسي والدستوري السائد مع المردود الاقتصادي والتنموي)، فما هو المبرر في الاصرار علي شيء لا جدوي له؟. اذا تأكد انعدام الجدوي فان النتيجة هي انعدام المستقبل لمثل هذا النهج مما يستدعي تغييره بشكل جذري وفورا.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]