د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   

تفجر الخلاف مرة اخري بين دول حوض النيل حول قسمة الموارد المائية. اوردت العديد من الصحف السودانية الصادرة يوم الاحد 24 مايو 2009م ( الايام ، الانتباهة ، الرأي العام )، رفض الجانب المصري توقيع الاطار القانوني و المؤسسي لمياه النيل . كان الخلاف في اجتماع وزراء المياه و الري لدول حوض النيل الذي انعقد بكنشاسا في بعده الاساسي بين دول المنبع و المصب . تفجر الخلاف باشتراط مصر بان يتم اخال نصا صريحا علي البند ( 14ب) الخاص بالأمن المائي يضمن عدم المساس بحصتها في مياه النيل و بحقوقها التاريخية. كما نشأ خلاف حول البنود 8 و 34أ و 34ب و حول اجازة بنود الاتفاقية الاساسية و الملاحق بالاجماع و ليس بالأغلبية . ادي ذلك الي رفض وزير الموارد المائية و الري المصري الي رفض التوقيع. اما الجانب السوداني فقد اثار جوانب اجرائية و فنية خاصة ببند الامن المائي بسبب رفع ذلك الملف الي رؤساء الدول لحله و بالتالي لم يري السودان سببا لمناقشته في الاجتماع. اهم ما يمكن الخروج به من نتائج الاجتماع هو ان قمة جبل الجليد الخاصة بالخلافات حول مياه النيل قد اضحت واضحة و مليئة بالقنابل العنقودية القابلة للانفجار.

 

  من المؤكد ان مشكلة قسمة المواد المائية بين دول الحوض لن تظل راكدة الي الابد و انما ستتحرك بعنف في يوم من الايام و قد بدأت السحب الخاصة بالازمة تتراكم فوق سماء حوض النيل . يعني ذك ان اتفاقية مياه حوض النيل المبرمة في العام 1929م لم تعد مقبولة اليوم من العديد من دول الحوض. هناك خلافات بين دول المنبع و دول المصب و هناك خلافات بيت هذه الدولة او تلك من دول الحوض حول كيفية استخدام المياه و كمياتها و هنالك الحديث حول الثمن الذي يجب ان يدفع مقابل الحصول علي الماء. الشواهد علي ذلك كثيرة منها المشروعات الاثيوبية حول السدود و الموقف الكيني من اتفاقية مياه نهر النيل و هناك رغبة تنزانيا في الاستفادة من الثروة المائية بمد خطوط انابيب للمياه من بحيرة فكتوريا لحوالي 170 كلم . كان تصريح شهير لوزير الثروة المائية التنزاني قد اثار ضجة عندما ذكر بوضوح ان اتفاقية مياه النيل الموقعة في " العهد الاستعماري بين مصر و بريطانيا " و التي تعطي مصر الحق علي ان توافق او لا توافق علي أي مشروع خاص بالاستفادة من مياه النيل " لم تعد ملزمة لبلاده" و انهم سيمضون قدما في اقامة مشاريعهم دون استشارة مصر .

 

  هناك جانب مهم في مشكلة مياه حوض النيل و هو الذي يظهر في كتابات العديد من الكتاب و الباحثين و منهم سودانيين بان اسرائيل هي المحرض علي تلك المشاكل نسبة لعلاقاتها القوية ببعض دول الحوض الافريقية. و لكن اولئك الكتاب ينسون او يتناسون ان لمصر اتفاقيات رسمية موقعة مع اسرائيل و ان العلاقة بين الدولتين علاقات تمتاز بدرجة مناسبة من الجودة و الجدية ، اضافة لإهمالهم للعلاقات الجيدة التي تربط اسرائيل بعدد غير قليل من الدول العربية و الإسلامية في العلن او في الخفاء. في تلك الحالة اذا أرادت إسرائيل الحصول فعلا علي حصة من مياه النيل فليس هناك وسيلة افضل من ان تفعل ذلك بالاتفاق مع مصر. لذلك من الافضل عند الحديث عن قسمة مياه النيل بين دول الحوض و الخلافات بين تلك الدول ، من الافضل استبعاد العامل الاسرائيلي ، علي الاقل لان اسرائيل ليس دولة من دول حوض النيل من جهة و انها مثلها مثل أي دولة اخري لن تتوقف عن البحث عن مصالحها و تأمين حاجتها من المياه. من المناسب لدول الحوض البحث عن الكيفية المناسبة لقسمة عادلة لمياه النيل و يحق بعد ذلك لاي دولة التصرف في حصتها من المياه حسب رؤيتها الاستراتيجية للاستخدام حسب السياسات المتبعة فيها و ان تترك محاسبة كل حكومة لشعبها.

 الي متي تستطيع دول الحوض تهديد بعضها البعض عند نشوب أي خلاف بينها حول قسمة المياه؟ و ما هي قدرتها الحقيقية علي المواجهة و اعلان الحرب؟ و هل ستكون المواجهة العنيفة مجدية في حل مشكلة معقدة مثل مشكلة مياه النيل؟ من الافضل لنا في السودان في ظل كل تلك المعطيات ان نضع رؤية قومية حول مياه النيل و التي يبدو انها غائبة حتي اليوم و لا تشكل اجماعا وطنيا كما هو الحال في مصر مثلا.  كما يجب الوضع في الاعتبار المصير المستقبلي لقسمة مياه النيل مقروءة مع نتائج الاستفتاء حول تقرير المصير الخاص بجنوب السودان. في حالة الانفصال سيظهر عضو جديد بمطالبه .لابد من دراسة متأنية و علمية لابعاد المشكلة و افاق حلولها و ايجاد الصيغة المثلي التي تمكننا من الحصول علي نصيب مستحق من مياه النيل و استدامة حصتنا فيها. يتطلب ذلك اتباع اشد درجات العقلانية و الطرق المؤدية للتعاون مع دول الحوض مع ادراك ان جميع تلك الدول تعاني من مشاكل مستعصية مما يجعل أي صراع علي المياه يؤزم الوضع فيها و لا يؤدي الي نتائج مفيدة. و بما ان مشكلة المياه مشكلة في غاية الحيوية فمن الافضل وضعها في مقدمة اولويات العلاقات بين دول الحوض. يتم ذلك مع الوضع في الاعتبار خصوصية موقع السودان و احتوائه لعدد كبير من روافد النهر ، اضافة لسقوط كميات كبيرة من الامطار فوق السودان تغذي النيل بكميات كبيرة من المياه ، مع اتساع إمكانية الاستثمار المجدي للمياه - خاصة في الزراعة - اكثر من أي دولة من دول الحوض.