د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

  

مصطلح اخر كثر استخدامه هذه الايام في مجريات تحليل الازمة المالية العالمية. يستخدم الان مصطلح " براعم الربيع" او" البراعم الخضراء" في الإشارة الي بوادر تحسن أداء الاقتصاد العالمي ، فيما يبدو انه إشارة الي وصول الاقتصاد الي القاع مما يعني خروجه المتدرج و البطيء الي مستويات تمكن من انتشاله من حالة الكساد الشامل. يستخدم المصطلح المذكور في كثير من الصحف و الدوريات الاقتصادية العالمية الواسعة الانتشار في امريكا و اوربا ، و تشير تلك الصحف الي تغير نبرة المحللين الاقتصاديين من التشاؤم الي التفاؤل او علي الاقل الي درجة اقل قتامة. سيشهد العام الحالي 2009 أسوأ حالات الاداء للاقتصاد العالمي و لكن و في حالات مهمة فان بعض المؤشرات حول النمو و البطالة و مستويات الركود اظهرت قدرا اقل سوءا مما كان متوقع سواء من حيث النسب المقدرة لها او من حيث المدي الزمني اللازم الي حين اتجاهها نحو الصعود.

 

 تشير معظم التوقعات الاقتصادية الان الي ان الاقتصاد العالمي سيبدأ في التعافي التدريجي ابتدأ من ربيع العام 2010م ، و لكن التعافي سيكون بطيئا . حالات الانتاج و الوظائف و الاستثمار و الانفاق الاستهلاكي علي المستوي العالمي ستكون ضعيفة و تواجه صعوبات كبيرة ، إلا أن أكثر الأوقات سوءا قد تكون قد انقضت. توجد نبرة ثقة اليوم في التحليلات الاقتصادية حول نجاح الخطط المصرفية و الاجراءات النقدية و الدعم المالي الحكومي في فرملة عجلة التدهور الاقتصادي. مع ذلك فمن الخطأ الاستنتاج بان فترة الركود قد انتهت ، الا ان المهم هو ان الاقتصاد العالمي سيشهد عودة بطيئة الي النمو و ستبدأ براعمه في التفتح مع حلول الربيع القادم في 2010م. اذا صحت تلك التوقعات فإن العام المقبل سيشهد بداية الانتعاش الذي سيأخذ في الارتفاع التدريجي طوال العام الي ان يصل الي مستوي جيد في المتوسط مقارنة بالتراجع الحاد في العام الحالي 2009م. يعني ذلك بداية الارتفاع في اسعار الفائدة بعد ان شهدت تخفيضات هائلة منذ نهاية العام 2008م ، كما ستتراجع معدلات البطالة بعد الربع الاول من العام القادم الذي سيشهد ايضا ارتفاعا في معدلات الاستهلاك العائلي.

 بالرغم من كل تلك المؤشرات فان معدلات الاستثمار الخاص ستظل منخفضة في مواجهة الركود الا ان مستواها سيكون اعلي مقارنة بما هو عليه اليوم. الجانب المهم الغائب عن اقتصادنا هو انخفاض الأرقام القياسية لأسعار الاستهلاك نسبة لانخفاض أسعار السكن و المواد الغذائية و الخدمات المنزلية و تكاليف النقل، بسبب ذلك انخفضت مستويات الأسعار علي السلع الاستهلاكية في بعض الدول مثل بريطانيا الي ارقام سالبة. يحدث ذلك لاول مرة منذ ستينيات القرن الماضي فقد انخفض مؤشر التضخم في بريطانيا حسب المؤشر القياسي لاسعار التجزئة الي ( - 0.4% ) ، و يؤشر ذلك بالطبع الي وجود انكماش في الاقتصاد و لا يعتبر عاملا ايجابيا كما قد يتبادر الي أذهان البعض. من المهم هنا تذكر ان التضخم في الدول المتقدمة اقتصاديا يكون مرتبطا بارتفاع الطلب و ليس تضخما ركودي ناتج عن زيادة تكاليف الانتاج و رفع فئات الضرائب غير المباشرة في اوقات الركود الاقتصادي لتعويض الفاقد في الايرادات الحكومية كما هو الحال عندنا. في الحالتين : التضخم الركودي و تراجع الأسعار الي مستويات سالبة ستكون قدرة الاقتصاد علي الانتعاش محدودة و لكن الاسوأ هو التضخم الركودي. يتطلب العلاج الحفز المالي و دعم التجارة و تنشيط القوة الشرائية و ليس العكس ، يتم ذلك الي حين استعادة قدرة التمويلات العامة مما يتطلب وضع خطة علي المدي المتوسط للتعامل مع تداعيات الازمة و اعادة النشاط الاقتصادي الي مستوي مقبول حسب التقييم الاقتصادي لمؤشرات الأداء.