د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

 

     منذ ان تم ضرب الخدمة المدنية و تكسير عظامها في السودان لم تقم قائمة للمؤسسية و انعدمت الكفاءة في الادارة العامة للدولة و ارتفعت تكاليف الادارة الحكومية و ازداد هدر الموارد العامة. معظم ما يثار حول تفشي الفساد المالي و الاداري و التجاوزات في جانبي الإيرادات و النفقات العامة يعود الي ضعف الخدمة المدنية و غياب المؤسسية. لا غرابة في ذلك فان الاقتصاد العام كعلم يعني بدراسة الدور الاقتصادي للدولة و تحديد وظائفها التي تعتبر غايتها الاساسية هي تحقيق اهداف المجتمع ، يوضح تلك الجوانب بجلاء تام. الوظائف الاقتصادية للدولة تحتاج لجهاز يرعاها بالتخطيط و التنفيذ و مراقبة الانجاز و المحاسبة و يعتبر ذلك الجهاز هو الخدمة المدنية عبر المؤسسات العامة المختلفة ، و حتي الان لم يتم التوصل لالية بديلة.سواء ان كانت تلك الوظيفة هي تخصيص الموارد اللازمة لإنتاج او توفير السلع و الخدمات الاجتماعية ، او سواء ان كانت هي وظيفة توزيع الموارد و إعادة توزيعها او اذا كانت وظيفة الاستقرار الاقتصادي الخاصة بتخطيط و تحقيق معدلات النمو و المحافظة علي مستويات الاسعار و العمالة الكاملة او استقرار المؤشرات النقدية و الميزان التجاري ، فانها لن تخرج خارج اطار الخدمة المدنية و مؤسسات الدولة من اصغر مستوي فيها و الي قمة الجهاز الاداري للدولة بمختلف سلطاته و مستويات حكمه.

 

  بناءا علي تلك الاسس يتم تقيم اداء الدولة و رصد الكفاءة او عدمها و تحديد مستويات الفساد المالي و الاداري. كما اشرنا فهذا الامر يتعلق بعلم طويل عريض يدرس في الجامعات و تكتب فيه البحوث و الدراسات و يتطور مع تطور المجتمعات البشرية و مع تقدم الدول و ترسخ الممارسة السياسية و الاقتصادية. لكن المثير في الموضوع عندنا هذه الايام هو الجدل حول الولاية علي المال العام و (ملااواة ) وزارة المالية من اجل ارساء نظام الولاية علي المال العام علي مختلف مستويات الحكم و محاولاتها المضنية من اجل ان يصب المال العام في خزينة الدولة عبر اورنيك 15 كوسيلة شرعية للدفع. لكن محاولات وزارة المالية تصدم بجدار صد منيع من ممارسات خارجة عن اطار الولاية علي المال العام من اوامر محلية و تجنيب للايرادات و كثرة الجبايات و الرسوم خارج الاطر القانونية و التشريعية لاجهزة الدولة. من المعروف ان للايرادات و النفقات العامة مستويات متعددة في السودان هي الاتحادية و الولائية و المحلية و ما اضافته اتفاقيات السلام الشامل من هيكلة جديدة تجد مرجعيتها حول ما اقرته الاتفاقيات من مؤسسات منها المفوضيات المعروفة. يأتي ذلك التقسيم لعدد من الاسباب منها المرتبط بقيام اجهزة الحكم المختلفة بوظائفها و منها المرتبط بتقديم الخدمات العامة و منها الخاص بما يسمي بالانفاق الوظيفي ( مثل البنيات التحتية و الامن و الدفاع الخ..) .

   مع ان جميع الاسس التي اشرنا اليها معروفة ، الا انه قد تم الخروج عليها في السودان بشكل جعل المؤسسية تخرج و لم تعد حتي الان. فمستويات الحكم المختلفة تشتكي من عدم وفاء وزارة المالية بالتزاماتها وفقا لما تم تخطيطه بالموازنة العامة ، كما تشتكي  الوزارات و النهضة الزراعية ، كذلك تشتكي الولايات و المحليات. و الحال كذلك كل يبحث عن مصدر للايرادات حتي يقوم بمهامه و تعدي الامر المهام الي نظام الحوافز و المكاسب الشخصية. ادي ذلك الي سطوة العديد من المؤسسات الايرادية ( ديوان الضرائب ليس واحدا منها ) الي درجة رسخت مفهوم الكسب الخاص و (الشطارة) بمعني ان نعتقد مؤسسة ما مثل الكهرباء او المياه بانها شاطرة في جلب الايرادات و كأن هذه الايرادات من استثمار خاص و ليس بسبب استهلاك الناس للكهرباء و المياه و ان ما يستهلك تم تحقيقه من الموارد العامة للدولة. بل تعدي ذلك الامر الي التعليم و الصحة و اصبحت المؤسسات التعليمية و الصحية تبحث عن موارد ذاتية للتمويل. الامر بالطبع ليس حكرا علي الكهرباء او الماء و انما جميع المؤسسات الخدمية بل الامر تعداها الي مؤسسات سيادية كبري من مهامها حفظ الامن و النظام العام و الحفاظ علي هيبة الدولة.

  خطورة تلك الممارسات كبيرة فهي اضافة لإلحاقها الاذي بالمؤسسية و تأثيرها الكبير علي تكاليف الانتاج و المساس بهيبة الدولة ، فهي ايضا تضيف العديد من المعايير الخاصة بتقييم مستويات الفساد و انعدام الشفافية و المحاسبية و تغذي التقارير السلبية عن السودان من المنظمات الدولية بما فيها تلك الخاصة بالدولة الفاشلة. اذا أضفنا كل ذلك للعبة شد الحبال السياسية خاصة بين شريكي نيفاشا و مشكلة دارفور لاتضح قتامة الصورة الخارجية للسودان. يلحق كل ذلك الضرر بامكانية جذب الاستثمار الاجنبي و اقامة شراكات طويلة المدي مع السودان كما يضيق علي القطاع الخاص السوداني و يسلبه العديد من المزايا. لكن الضرر الاكبر يقع علي القطاع الزراعي الذي يعاني من مشاكل لا حصر لها كما يتميز بكثرة المخاطر المحيطة به مما جعله مكبلا بقيود التمويل و التكاليف و الاعسار و ارتفاع مستويات الاسعار و ضيق الاسواق. ان الولاية علي المال العام شرط لا غناء عنه لكفاءة النشاط الاقتصادي . لكن تلك الولاية لن تتم خارج اطار النظام التشريعي و خارج اطار المؤسسية و بدون اصلاح شامل للخدمة المدنية. تلك مصفوفة متكاملة يجب ان يكون العمل فيها متلازم و شامل و ان يتم الاحتكام فيه الي سيادة حكم القانون و الي احترام القرار السياسي علي مختلف مستويات الحكم مع خضوع ذلك القرار للرقابة المحكمة من السلطات التشريعية علي مختلف المستويات . بذلك يتم تفعيل نظام الحكم الفيدرالي المتبع في السودان و يمكن عندها ان يحس المواطن بان ذلك الحكم له جدوي اقتصادية و ادارية بدلا عن اختصاره علي المنافع السياسية و الوظيفية للأشخاص و الجهات المستفيدة منه عمليا.

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.