د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

  

في وجود هجمة استثمارية نحو السودان كما نطالع كل يوم باجهزة الاعلام المختلفة تأتي اهمية مناقشة تحديات الاستثمار الزراعي في السودان. عندما يدور الحديث عن الاستثمار الزراعي فان التقويم الكمي وحده لا يكفي لانه يعطي دلالات مخادعة. اذا قلنا مثلا ان حجم الاستثمار الاجنبي في الزراعة 50 مليار دولار فان ذلك لا يعني في حد ذاته مؤشرا ايجابيا ، كذلك اذا قلنا انه تمت زراعة 500 الف فدان في مشروع الجزيرة بالقمح. لا بد من معرفة المخاطر التي تتعرض لها الزراعة و تكنولوجيا الانتاج و كفاءة العمليات الزراعية من استصلاح الاراضي و الزراعة و الري و ازالة الحشائش و الحصاد و التخزين و النقل و التسويق و البيع داخليا و خارجيا، و هل سيتم التصدير في شكل مواد خام ام مواد مصنعة الي اخر الجوانب الفنية و النوعية المرتبطة بالاستثمار الزراعي بشقيه النباتي ( بما فيه قطاع الغابات) و الحيواني. ان الاستثمار الزراعي موضوع معقد من استغلال الموارد الطبيعية الي مستوي الانتاجية و التنافسية وصولا الي تحقيق الهدف منه.

 

  اذا  تطرقنا لهدف واحد من اهداف الاستثمار الزراعي و هو الامن الغذائي الذي يعتبر من اوضح اهداف ذلك الاستثمار بحكم ان مردوده واضح علي حياة المواطنين فسنجد ان ذلك الهدف يحاط بجملة من التعقيدات التي تحتاج للدراسة و التخطيط و الرؤية الاستراتيجية علي المدي البعيد. تعرف منظمة الاغذية و الزراعة التابعة للامم المتحدة (  FAO ) ، تعرف الامن الغذائي بانه الحد" الذي يستطيع فيه كل الناس و في جميع الاوقات الوصول الي ما يكفي من الغذاء المضمون و المغذي للمحافظة علي حياة صحية و نشطة". اذا تأملنا في ذلك التعريف فسنجده مشتملا علي تركيبة متكاملة من الاغذية و ليس علي نوع واحد منها اضافة لعناصر الاستمرارية و الامان و ضمان الجوانب الصحية في الغذاء. الامر هنا لا يختصر علي انتاج ما يكفي من طعام فقط و انما ان يتمكن ايضا جميع الافراد و الاسر من الوصول للغذاء الذي يحتاجونه و بالسعرات الحرارية اللازمة.

 

  اذا ربطنا مفهوم الامن الغذائي بازمات الغذاء و ارتفاع الاسعار و العوامل البيئية و بما يشهده العالم من فجوات في الغذاء و مجاعات و بمعدلات النمو السكاني ، لوجدنا ان الامن الغذائي يشكل ضغوطا هائلة علي الحكومات مما يدفعها نحو البحث عن حلول مناسبة لتلك المشكلة. و من هنا تختلف الخيارات بين دولة و اخري و تتعدد الاهداف مما يشكل جملة من التعقيدات التي تستدعي العلاج بما يضمن الحقوق لكافة الاطراف و يضمن التوازن بين استغلال الموارد و الانتاجية و ضمان صيانة الموارد الطبيعية و حمايتها من الاهدار لضمان تجددها الطبيعي . يستدعي ذلك ان يكون الاستغلال في حدود الطاقة الاستيعابية الطبيعية للاصول البيئية و مراقبة مستوي الاهلاك و التلوث.من جانب اخر هناك العديد من الجهات في القطاع الخاص التي تسعي للربح فقط دون أي اعتبار لعوامل اخري بما فيها البيئية او المتعلقة بحقوق العمال و المزارعين الامر الذي سيؤثر سلبا علي الاستثمار الزراعي اذا لم يضع في الحسبان تلك العواملل و يضمن حقوق المنتجين الوطنيين في مناطق الاستثمار الاجنبي و خارجها.

 

  من الجوانب المهمة التي يجب وضعها في الاعتبار تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر استراتيجية متكاملة للامن الغذائي و وضع ذلك ضمن اولويات الامن القومي و السيادة الوطنية و المصالح الاستراتيجية العليا و من ثم تأتي حسابات الارباح و كنز الأموال. في الاستثمار الزراعي لابد من مراعاة مشاكل التغيرات المناخية بما فيها من موجات الجفاف و الزحف الصحراوي و ندرة الموارد المائية و الاراضي الصالحة للزراعة و التوازن بين الغطاء النباتي و الغابي و الاراضي البور الي اخر ما تستدعي حزم الاستغلال السليم للموارد المتجددة. هنالك العديد من العوامل المتداخلة المؤثرة علي الاستثمار الزراعي و لكل منها اهميتها و تكاليفها و بالتالي فان ذلك الاستثمار يستدعي ان يمر عبر الخبراء الزراعيين و ان لا يخضع القرار فيه للجهات السياسية و التنفيذية دون رؤية فنية متكاملة تراعي المصلحة العليا للبلاد. اذا لم يتم ذلك فستكون المكاسب آنية و فردية او (مصلحة ضيقة)  لا تصب في المصلحة العامة.

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.