لا يوجد شيء في العالم يركض بسرعة (ماراثونية) متزايدة ولا نهاية لها، كما تفعل الأسعار في السودان. كل يوم زيادة جديدة حتي أصبح من العبث تتبع ارتفاعها او التدقيق في حسابات الشراء مهما كانت قليلة ناهيك من ان تتبع ميزانية عائلية ما لضبط مصروفاتك والتحكم فيها وفقا لمستوي الدخل وأولويات الحياة. في هذا الواقع خرج علينا المبشرون الجدد بان مستويات الفقر قد انخفضت وان مستوي الدخل الفرد قد ارتفع وهي مفارقات تثير التهكم والسخرية. تعني تلك الاجتهادات بان مستوي الرفاهية للشعب السوداني بعد انفصال الجنوب قد ارتفع فجأة بشكل رهيب وان القدرة الاستهلاكية والقوة الشرائية قد ارتفعت، كذلك القدرة علي الادخار وحجم الاستثمار العام والخاص. نتيجة لتلك القراءات الخيالية فان الاقتصاد السوداني قد أصبح جيد الأداء مما يعني ارتفاع  معدلات النمو الحقيقي، ضبط التضخم، قدرة الاقتصاد علي توليد فرص عمالة مستمرة، ارتفاع سعر الصرف للجنيه وفائض في كل من ميزان المدفوعات والموازنة العامة. بالتأكيد يمكن ان يكون ذلك صحيحا في حالة ارتفاع أداء الاقتصاد السوداني بجميع مؤشراته فوق الاقتصاد الانجليزي  لان الحياة في الخرطوم أصبحت اشد غلاء  من لندن. ماذا يعني المواطن من ارتفاع مستوي دخل الفرد في وقت تستحوذ فيه نسبة 3% (او قل 5%) من السكان علي  أكثر من 90% من الدخل القومي؟ هل أصبح فقراء السودان  أغنياء بموجب انفصال الجنوب؟ هل ارتفعت القيم المضافة للمزارعين؟ ربما  لان كيلو الطماطم أصبح  يباع بعشرة جنيهات فأكثر. هل ازداد حجم الإنتاج الصناعي وارتفعت الأجور والمعاشات وكذلك جميع دخول عناصر  الإنتاج بالأسعار الحقيقة؟ هل ازدادت القيمة التبادلية للجنيه؟ كم هي نسبة الزيادة في الصادرات؟هل يمكنكم ان تذكروا لنا نسبة السكان الذين يزيد دخلهم عن 2 دولار في اليوم، وفقا لمسح ميداني وليس بالوسط الحسابي؟ أيها السادة ان كثير من الناس يموتون من سوء التغذية والأمراض، مثلما تنفق الحيوانات في الخلاء.
الشعب السوداني علي علم تام بحسابات الربح والخسارة نتيجة للانفصال وما سبقه، إلا ان ما لا يعرفه وغير المتأكد منه هو ما يخبئه له المستقبل من مصير. بقراءة سريعة للبرنامج (الاسعافي 2011 – 2013م) وبمراجعة بسيطة للتعديلات التي أجريت علي الموازنة العامة، يتضح لنا كم هي مخادعة الأرقام والمؤشرات. يظهر ذلك من معدل نمو الناتج المحلي الذي لا يستند الي معايير عملية تحدد روافع النمو، كذلك الحال بالنسبة لدخل الفرد فبطرح النقص في حجم السكان ونسبته الي ما تم فقده من موارد مباشرة وغير مباشرة بسبب فقدان البترول والثروات الطبيعية، نجد ان الواقع شيء مختلف تماما لما تم تصويره لنا ويراد منا تصديقه.التراجع في حجم الإنفاق العام وفقا لتعديلات الموازنة زاد عن 22% وهي نسبة (ملطفه)، كيف يمكن لموازنة فقدت أكثر من 40% من إيراداتها ان تنخفض نفقاتها العامة بهذه النسبة؟، مع عدم إجراء أي إعادة هيكلة للدولة المتضخمة تساعد علي ترشيد الإنفاق؟. في كل الأحوال فان الإنفاق العام هو قاطرة النمو الاقتصادي في السودان وبالتالي فان انخفاضه انعكس علي مؤشرات النمو النظرية التي تم تحديدها ب 5%، 4% و 5% علي التوالي لسنوات (الإسعاف) الثلاثة. لكن معدل النمو للعام 2011م تراجع في خطاب السيد وزير المالية أمام المجلس الوطني الي 3% فقط بدلا عن 5% في اصل البرنامج الاسعافي، الا يدل ذلك علي ان الأرقام المذكورة بالموازنة وبالبرنامج نظرية ولا علاقة لها بالواقع العملي؟.
الجانب الأخر الذي يعقد الأمور هو تراجع نمو القطاع الصناعي وانخفاض مساهمته بشكل متواصل خلال السنوات  الثلاث ( من 19.3% في 2011 الي 16.9% في 2013)، هذا يعني أيضا (نظرية) عائدات قطاه التعدين. في نفس الوقت فان معدلات التضخم سترتفع من رقم أحادي كما كان عليه الوضع في الفترة الانتقالية، الي 18% مع العلم بان معدلات التضخم الرسمية المعلنة عبر الموازنة العامة لم تصدق في يوم من الأيام، بل بالعكس ففي الوقت الذي كان الرقم المتوقع للتضخم بالموازنة يقدر ب 8% كانت تقارير الجهاز المركزي للإحصاء تصل بها ألي 22%، علي الأقل بالنسبة لسلع (الطعام والشراب)، وهل هناك هم للمواطن السوداني غير الطعام والشراب هذه الأيام التي أصبح فيها توفير لقمة العيش هما مؤرقا؟
الوضع في الزراعة يبدو أكثر سوءا بالرقم من التفاؤل الحكومي. هناك توقعات الجفاف التي ستصيب القطاع المطري الضامن الأساسي للأمن الغذائي والدخل النقدي معا لغالبية الشعب السوداني، عبر مكاسب الزراعة والثروة الحيواني والقطاع الغابي.توقعات البرنامج الثلاثي بارتفاع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي من 35.8% الي 41.% في نهاية الفترة تحتاج لإعادة نظر. وفقا لحصيلة النهضة الزراعية وواقع التمويل والمشاكل الخاصة بالمشاريع المروية الكبيرة فان تحقيق تلك التوقعات يظل من الأماني العزيزة، هذا إذا كفي الله المزارعين شر الجفاف مع المعاناة من انعدام الري المنتظم. هذا مع ملاحظة البرنامج (الاسعافي) – عن حق – لتعقيدات قد تنشأ في توزيع حصص المياه بسبب ما يدور في دول حوض النيل مضاف إليها انفصال الجنوب الي دولة مستقلة بحصة مياه مستقلة.
حتي قطاع الاتصالات الذي يعتبر في وضع أفضل نسبيا أصابته زيادة الضريبة علي القيمة المضافة في مقتل، جراء زيادتها من 20 الي 30%. مثل هذه الضريبة اقرب الي ضريبة المبيعات و الاستهلاك من كونها ضريبة علي القيمة المضافة، لأنها تفرض علي مجمل الاستهلاك وليس علي ما يتم إضافته من قيم في الاتصالات، هي بذلك ضريبة مفروضة علي جملة عائدات خدمات الاتصال وليس علي قيمتها المضافة. في هذا الوضع ستكون الضريبة تراكمية وستنعكس علي مجمل القطاعات الاقتصادية نسبة للاستهلاك الكبير لتلك الخدمة، اما علي القطاع العائلي فنتمنى ان تكون (خير وبركه) وان يحول الناس استهلاكهم الكلامي الي صالح استهلاك الغذاء، الذي سيعز فيه طبق الفول بدون طماطم.
ماذا تبقي اذن للحكومة لتزيد من ايرادتها تعويضا للفاقد من انفصال الجنوب: إنها الضرائب والرسوم. ليس الانهيار المقصود هو سقوط الحكومة إنما هو الركود الاقتصادي مع تصاعد معدلات التضخم الركودي، وهذا سقوط لو تعلمون رهيب. هذا يعني انهيار الدخول وتردي المعيشة بشكل سيرمي بالكثير من الناس إلي أتون الفقر المدقع. لا أسعار السكر كما ذكرت في المجلس الوطني ولا ثبات في معدلات الأسعار، بل بالعكس هي ترتفع كل يوم، حتي ان هناك أسعار من المتوقع ان تعدل بواسطة الحكومة نفسها مثل أسعار الوقود والسكر وربما خدمات مثل الكهرباء. أما علي مستوي رسوم الخدمات الولائية والمحلية فهذه قد سنت سيوفها واستعدت لحز قاع الجيوب. مما يزيد الطين بله أيضا هو تراجع سعر الصرف المتوقع للجنيه مع ارتفاع العجز في ميزان المدفوعات  وزيادة الكتلة النقدية الكبيرة (17% بنهاية هذا العام)، التي تحجب وراءها استدانة من الجهاز المصرفي وزيادة اسمية كبيرة في العرض النقدي مما يدفع بمعدلات التضخم الي موجة جديدة من الصعود.
علي أية حال فان ما تم إعلانه من إجراءات (لمواجهة الآثار المالية والاقتصادية لنقص الموارد القومية)، كما جاء في خطاب وزير المالية والمتلخصة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، إعادة هيكلة الموازنة وخفض العجز، ترشيد الإنفاق الجاري وتحريك واستغلال طاقات القطاعات الإنتاجية وغيرها من إجراءات، ستظل في معظمها، ماعدا الجوانب الخاصة بالجباية وخفض بعض بنود الإنفاق، ستظل مجرد وعود نظرية تحتاج للأدوات اللازمة لتحويلها الي واقع عملي وهذه الأدوات تبدو حتي الآن ناقصة بشكل خطير. السودان الآن يحتاج للكثير من الجهد الشاق حتي يستعيد توازنه. الانفصال لاي بلد كان ليس بالأمر السهل ولديكم أمثلة الاتحاد السوفيتي السابق الذي تفكك طوعيا وبناء علي نص الدستور المعمول به منذ العام 1925م، بالرغم من ذلك وبالرغم من كونه دولة عظمي لديها موارد مادية وبشرية وبنيات تحتية هائلة إلا ان روسيا حتي اليوم لم تستعيد مكانة الاتحاد السوفيتي. أما ما جري في يوغسلافيا السابقة فسيحتاج لسنوات طوال لتجاوز ماسيه. السودان عليه مراجعة موقفه بدقة في واقعه الجديد وهو يعيد رسم خارطته وطباعة عملته ورسم حدوده الدولية. الوضع يحتاج للتهدئة وتوسيع المشاركة حتي لا يذهب الإسعاف بالاقتصاد مباشرة الي العناية المكثفة التي قد يخرج منها وهو يعاني من ألام لا يمكن شفائها. عندما تحدثت مع احد شيوخ تجار الجملة حول زيادة الأسعار انفجر ببركان من الغضب والسخط علي ما يجري في حالة تثير اليأس في النفوس، وعندما ذكرته بالوعود الحكومية بالسيطرة علي الأوضاع وإنعاش الاقتصاد هز رأسه ببطء وقال (حلم الجيعان عيش)، نتمنى ان يتحقق الحلم وان يأتي العيش (للجيعان) ليشبع هو وأبنائه وان تعود البسمات إلي  الوجوه المكفهرة من الغلاء والخوف من المستقبل المجهول.

Dr.Hassan.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]