اكبر مشكلة تسببت في خلقها الأنظمة الديكتاتورية المتوالية في الدول العربية والإفريقية وغيرها من دول العالم الثالث هي، "إعدام آليات صنع البديل". يمكن بكل بساطة تسمية هذه المشكلة ب(أم الكبائر) في تعاطي تلك الأنظمة مع شعوبها. هذا ما شجع تلك الأنظمة إلي اللجوء لتوريث الحكم خارج إطار الأنظمة الملكية،الأميرية والسلطانية. حدث ذلك بالفعل في عدد من الدول منها علي سبيل المثال سوريا وجمهورية الكنغو الديمقراطي. في هذه الظروف هناك خوف من ان الانتخابات القادمة في البلدين يمكن ان تتم دون توفر الشروط اللازمة للنزاهة والشفافية وتحقيق شروط التمثيل المعبر عن روح الثورات الجماهيرية ة. عمليات الإعدام  لصنع البدائل أحدثت فقرا قاتل في الدول المعنية ووضعت ثورات وحركات التغيير أمام معضلات حقيقة هي جزء من الأزمة الشاملة التي تعيشها كثيرا من البلدان في هذا العصر الذي يشهد ثورة مذهلة للمعلوماتية والتكنولوجيا. في نفس الوقت فان هذا العصر يعتبر "عصر انحطاط"، علي الأقل في الدول غير الديمقراطية. يتجلي الانحطاط في نوعية الإنتاج الثقافي الذي يمكن اعتبار الرياضة هي العنصر الوحيد الصاعد فيه مقابل انحطاط في الآداب والفنون والفكر الإنساني التنويري المتجدد، وهذا ليس بغريب في عصر يعاني شبابه من البطالة وغموض المستقبل.
علي المستوي السياسي فان إنتاج القادة أصحاب " الكاريزما" يوجد علي نطاق ضيق وفي فترات متباعدة. لم تأتي جنوب إفريقيا ببديل لنيلسون مانديلا او شخص قريب منه، لا يوجد في أفريقيا نكروما او جومو او ناصر، كما أن آسيا لم تأتي بقادة مثل ماو أو هوتشي منه، إضافة إلي ان الثورات المشتعلة لم تظهر لنا جيفارا او ساندنيستا او شخصية شبيهة بلينين او الخميني، سيمون بوليفار او جورج واشنطن. لا اقصد بالطبع قائد يقوم بالتربع علي رأس أنظمة او ثورات مماثلة لما حدث في السابق، إذ أن نتاج الثورات التاريخية، في غالبيتها، لم تكن ديمقراطية، إنما اقصد نوع الكاريزما "الملهمة" للشعوب التي تعتبر دافعا ومحفزا لها للسير نحو التغيير للنظام القائم حتي النهاية ووضع أسس جديدة مختلفة نوعيا عن الوضع السابق.
واحدة من المشاكل التي واجهت الثورات العربية ولا زالت تواجهها هي عدم قدرتها علي إنتاج قادة ملهمين للشعوب يجدون حظا من التوافق حولهم  بنسب مرجحة. لم تأتي الثورتين في تونس ومصر بقادة بارزين يقودون التغيير ويجلسون علي رأس حكومات انتقالية تطلع بمهام الانتقال الديمقراطي.  في تونس يقود الحكومة شخص من بقايا النظام السابق أما في مصر فلم تجد الثورة بديلا لقيادة التغيير غير المؤسسة العسكرية بقيادتها القديمة الموروثة من العهد البائد. في هذه الظروف هناك خوف من ان الانتخابات القادمة في البلدين يمكن ان تتم دون توفر الشروط اللازمة للنزاهة والشفافية وتحقيق شروط التمثيل المعبر عن روح الثورات الجماهيرية. بالنسبة للوضع في ليبيا فان قيادة المجلس الانتقالي باهتة لا تتمتع بأي بريق مشع ملهم إضافة لان بقايا نظام العقيد المنشقين عنه يحومون حول الحكم ويتصيدون الفرص. أما في اليمن فالبحث عن قيادة جديدة يبدو مضنيا إذ لم تتقدم الركب إلا قيادات حزبية وقبلية مختلف عليها. في الحالة السورية يبدو الأمر أكثر ضبابية من غيره، اذ حتي الآن لا يوجد ولا شخص واحد علي قيد الحياة يمكن اعتباره قائدا ملهما. ربما يعتقد البعض أن هذا الأمر غير ضروري وان الثورات تنتج قادتها من رحمها،بالرغم من الصحة النسبية لهذا الاتجاه إلا أن دور الفرد في التاريخ، حتي الثوري منه أمر لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه. هل من الممكن أن تنجح الثورات بدون قيادات ذات كاريزما وقدرة علي الإلهام؟ ربما، لكن هذا الأمر لم يحدث حتي الآن.
في الدول الديمقراطية تتجدد الأنظمة بشكل تلقائي من خلال الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية المختلفة. يلاحظ ان البديل دائما جاهز هناك او تتم صناعته من خلال المؤتمرات والحملات الانتخابية لدرجة ان بروز القادة في الأنظمة الديمقراطية أمر لا يمكن ملاحظته بشكل لافت الا في حالات استثنائية كحالة اوباما مثلا. الأمثلة علي ذلك كثيرة فهناك قيادات شابة تظهر في الدول الديمقراطية مثل بلير واخري نسائية كما في حالة تتاتشر وميركل وصولا إلي حالة رجب طيب اوردوغان في تركيا الذي وصل حزب العدالة والتنمية بقيادته الي نجاحات غير مسبوقة، في نفس الوقت فان النظام السياسي والشعوب في الأنظمة الديمقراطية يمكن أن تلقي بأي زعيم مهما كان صيته، الي النسيان وتأتي بغيره وهي مطمئنة الي ان الشخص الجديد يشكل البديل الأصلح  وإلا سيتم تغييره في حراك حيوي بغيره. بالطبع القادة في الغرب لا يعتبرون مثاليين او رموزا للكمال السياسي والنزاهة المطلقة لان مثل هذه الأشياء التي تقود للقداسة والتمجيد غير موجودة في السياسة ولا ينبغي لها، لذلك لا تعتبر هدفا لأي نظام ديمقراطي ان يوجد زعيما مطلقا يحكم لعشرات السنين، وإنما العبرة في إمكانية وحيوية التغيير والتجديد وإمكانية إيجاد البدائل التي تناسب مختلف مراحل الحراك والتطور الاجتماعي.
نقاش الحالة السودانية يقود دائما للسؤال عن البديل.هذا السؤال بالرغم من كونه سؤال إشكالي إلا انه مشروع. اكبر الأمثلة الحاضرة هي تلك التي تتحدث عن شخصية الزعيم الراحل جون قرنق باعتباره ظاهرة استثنائية ليس علي مستوي السودان فحسب، وإنما علي المستوي الإقليمي والقاري بل وعلي مستوي العالم الثالث ويعتبره البعض الظاهرة القيادية الأبرز بعد مثال نيلسون مانديلا. هذا الحديث نابع عن مستوي الانجاز الذي تحقق تحت قيادته. استطاع الخروج بالحركة الشعبية من أزمات مستعصية مرت بها في تاريخ تطورها. تمكن من الوصول إلي اتفاقيات سلام مربحة للجنوب ومن نتائجها إيقاف الحرب ووضع أسس للتغيير الديمقراطي في السودان والنتيجة الأهم بالنسبة لشعب الجنوب هي تحقيق الاستقلال بنسبة تصويت اقتربت تماما من الإجماع. كذلك ما يدلل علي قوة تلك الحجة الفراغ الذي حدث بعد موته الفاجع المفاجئ الغامض.
في هذه الحالة علي القوي السياسية السودانية الإجابة عن سؤال البديل. هل هي تشكل بديلا مناسبا لأي تغيير كان؟ هل يعتبر أي من أحزاب المعارضة  او أي من تجمعاتها بديلا مؤهلا للتغيير؟ هل سيغير الحزب الحاكم من بنيته وطبيعته ويسمح بإكمال تغير ديمقراطي سلمي؟ في حالة انعدام البديل في المكونات السودانية السابقة فما هو البديل؟ كيف يمكن تغيير الأوضاع في السودان؟ بشكل سلمي أم عنيف؟ ما هي مقومات أي من الاتجاهين؟ كيف يمكن استخلاص النتائج والاستفادة من ما جري ويجري في الدول العربية وتوظيفه لمصلحة السودان؟
البحث عن البدائل التي تمكن من الوصول الي الديمقراطية والحرية بشكل يحافظ علي وحدة البلاد وتماسكها وتجنيبها الغوص في وحل الحروب والنزاعات والتشرذم قضية جوهرية تستحق أن تعطي  أقصي درجات الاهتمام. الطريق الذي يسير فيه السودان اليوم خطير جدا مع حالات الاستقطاب الجهوي والعرقي ونزاعات الأطراف التي تهدد تماسك البلاد ووحدتها الوطنية، أما المركز فهو في حالة من التخبط وانعدام الوزن بجميع مكوناته، إضافة لكونه غير محصن عن ما يحدث في الأطراف لان النار التي تحرق هناك لا تلبس ان تنتشر الي كافة الجسد. بالطبع لإيجاد البديل المناسب لابد من الاقتناع أولا بان هناك مشكلة، وهذا لم يحدث بعد لا من قبل الحزب الحاكم بقواه المتنفذة ولا من قبل المعارضة. أما ما بين هؤلاء  وأولئك فهناك الكثير من النماذج بين ايجابية وسلبية. الايجابية في حركات التغيير الصغيرة الناشئة والتي يمكن نظريا ان تتطور الي حركات سياسية واجتماعية مقنعة لقطاعات واسعة من الشعب وبين قوي تسترزق وتستثمر في المعارضة لدرجة يمكن تسميتهم بأمراء المعارضة (Opposition Lords)علي شاكلة أمراء الحرب ( Warlords). مع هذا وذاك فان البحث سيستمر عن البدائل المناسبة للأنظمة الواقفة في البلدان التي أنجزت ثورات دون ان تحقق أهدافها المرجوة بعد ودون ان تجد البدائل المتوافق عليها، وبين التي ما زالت تبحث عن الثورات والبديل معا.


Dr.Hassan.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]