د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   

  أجبرت الازمة المالية العالمية الدول ذات الاقتصاديات الكبري و المهيمنة علي التجارة الدولية، اجبرتها علي البحث عن قواعد جديدة يتم التوافق عليها لادارة اللعبة الدولية في السياسة و الاقتصاد و التجارة. بالرغم من رؤية منظمة التجارة العالمية للحل الداعية الي مزيد من الانفتاح و التحرير في التجارة الخارجية و الابتعاد عن الحمائية ، الا ان المنظمة تواجه ازمة عميقة بسبب الخلافات حول العديد من الملفات التي لا زالت عالقة بين الدول المتقدمة و الدول الصاعدة و النامية. اهم تلك الملفات هي الدعم الموجه للقطاع الزراعي الذي تمارسه الدول الغنية مثل الولايات المتحدة الامريكية و مشكلة التعريفات الجمركية و تحرير الخدمات و حقوق العمال. لم تستطع الجولات المتلاحقة للمفاوضات حول التجارة الدولية بعد قمة الدوحة في 2001م من التوصل الي خارطة طريق للخروج من تلك الخلافات الي حين وصول العالم الي ازمة اقتصادية غير مسبوقة في اتساعها و خطورتها. استدعت تلك الازمة دول العالم الي البحث عن طريق جديد فعلي الصعيد السياسي فشلت الهيمنة الامريكية و بالتحالف مع الاتحاد الاوربي و باستخدام حلف الناتو كاداة للهيمنة ، لم تستطع  لجم الدب الروسي من التهام جورجيا في ساعات و فرض واقع جديد في منطقة القوقاز. كما ان جهود التحالف الغربي لم تجبر الصين علي تغيير نهجها الداخلي او الخارجي بل اصبح النمو الاقتصادي الصيني يهدد بنمو قوة عسكرية جبارة في اسيا لا تُخفي طموحاتها الدولية، كما لم تنجح في احتواء الخطر النووي المزعوم من ايران و كوريا الشماليه.

 

         من جانب اخر أصبحت مؤسسات بريتون وودز تواجه تحديات قاتلة منها عدم احراز تقدم علي صعيد الاتفاقيات الدولية، بل اصبحت الخلافات تعرقل جهود التنمية الدولية اضافة لفشل الصندوق و البنك الدوليين في تخفيف حدة التفاوت الدولي بين الدول الغنية و الفقيرة و لا من الحد من معدلات الفقر المتصاعدة في العالم. من هنا جاءت الدعوة الي البحث عن مؤسسات جديدة للاستشارات و التخطيط و تقديم القروض و الدعم التنموي و اقامة نظام دولي متعدد الأطراف لتجميع القوي الاقتصادية التي بعثرتها الازمة المالية العالمية. اذا نجحت المساعي - التي لا زالت متباعدة التوجه حتي بين الاتحاد الاوربي و امريكا- فسيؤدي ذلك الي الوصول لنظام دولي جديد متوازن و تسوده العدالة و الحريات الاقتصادية و تعمل فيه مؤسسات فاعلة . 

         الهدف من كل الجهود التي تبحث في وضع اسس و قواعد جديدة للعبة الدولية هو تعزيز الثقة بين بلدان العالم مما يفعل المؤسسات الدولية و يجعلها قادرة علي التصدي للمشاكل التي تواجه العالم ابتدءا من مشاكل التنمية و الامن الغذائي و البيئة مرورا بترسيخ الديمقراطية و الحريات العامة و صيانة حقوق الانسان وصولا الي صيانة السلم العالمي. لقد أثبتت الازمة المالية العالمية و التي تحولت الي كساد اقتصادي في العديد من الدول العالم ، اثبتت ان العالم يعاني من ازدواج المعايير و تغليب المصالح الخاصة و اهمال المشاكل الكبري التي تهدد الكون.   كان الاعتقاد السائد في  الغرب و في الولايات المتحدة علي وجه التحديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي هو انها في منأى عن الازمات و المشاكل الكبري الي ان فوجئت بضربتين الاولي احداث سبتمبر التي قادت الي الحرب المدمرة علي الارهاب و الثانية الازمة المالية التي قضت علي الاخضر و اليابس في بورصات المال العالمية التي كانت تجني الارباح  كالأوراق المتساقطة في الخريف. يستبشر العالم اليوم بالتغيير الموعود من الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي يبدو ان ادارته تدرك جيدا ان القواعد القديمة لم تعد تضبط الايقاع العالمي و ان الأمر يحتاج الي نوطه جديدة و بمايسترو جديد لتنظيم الاوركسترا ألعالميه.