أتيحت للسودان فرصة نادرة لترتيب أوضاعه والانتقال من حالة الفوضى والتوهان التي يعيشها، الي الاستقرار والسير في طريق الديمقراطية والسلام. كان ذلك قبل ان يهل فجر الثورات الجديدة التي تجتاح المنطقة هذه الايام. كان للسودان ان يستثمر اتفاقيات السلام الشامل لمصلحة الوطن والشعب وان يلبي متطلبات الاتفاقية التي تعاهد عليها طرفا نيفاشا، تلبية هذا المطلب فقط كان كافيا ليتجنب السودان الكثير من الشرور وليختصر عهودا من الحرب والفقر وعدم الاستقرار. إلا أن كل من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير (السودان) لم يكونا مؤهلان لمتطلبات السلام والديمقراطية والسير في طريق الاستقرار الذي يعتبر شرطا أساسيا للتنمية والازدهار. هل هنالك من يغالط في هذا الاستنتاج؟ إذا كان الأمر مختلفا فليثبت لنا أي كان العكس. اللغة التي يطرب لها شريكا نيفاشا هي لغة الحرب وتحدي المنطق، بل تحدي منطق الاتفاقيات التي وقعا عليها بأنفسهما أو توجها من اجلها، وبمحض إرادتهما الي التحكيم الدولي.
هذا الأمر ليس غريبا، إذ إن الطبع يغلب التطبع. بعد الانجاز العظيم لطرفي نيفاشا والذي تمثل في تقسيم السودان الي دولتين يمكن الجزم بان الغالبية العظمي في الشمال وفي الجنوب لا توافق علي إشعال حرب جديدة ولا طاقة لها باحتمال نتائجها. أما الحرب، في هذا الزمان إذا اشتعلت (لا قدر الله)، فإنها وبالتأكيد لن تكون بين طرفي نيفاشا وإنما سيدخل فيها لاعبون جدد داخليا وخارجيا وان قدرتها التدميرية ستكون كارثية، الي حد يصعب معه التكهن بنتائجها علي مصير السودان بقسميه الشمالي والجنوبي. يجب عدم الركون الي الجمود الحالي في المواقف والنظر الي ما يخبئه المستقبل، علي طرفي نيفاشا العودة الي منطق السلام الذي قامت عليه اتفاقيات نيفاشا كما يلزمهما قراءة الوضع الإقليمي والدولي الجديد وعدم التصرف خارج سياق معطيات هذه المرحلة التاريخية التي يشهدها العالم، مع الوضع في الحسبان ما سيجره الاعتراف الدولي بالدولة الجديدة في جنوب السودان وما ستقيمه من اتفاقيات ومعاهدات.
لتوضيح ضياع الستة سنوات الانتقالية عبثا، يمكن الرجوع الي جملة من المقالات والمساهمات التي تمت بعد تفجر مشكلة ابيي في العام 2008م. من جملة تلك المساهمات مقال لنا في عمود (ماعون اقتصادي) بصحيفة (الوسط الاقتصادي)، عطر الله ذكراهما بالخير، كان تاريخ كتابة المقال في 20 مايو 2008م، بالعنوان الرقمي أدناه. كذلك فعل الكثير من الحادبين علي مصلحة الوطن. إلا أن صرخاتنا تلك قد (ذهبت مع الريح)، لكن الأيام أثبتت صحة مخاوفنا. بالرغم من كل ما جري فان ما سنقوله اليوم سيذهب أيضا أدراج الرياح مع إصرار الماسكين بزمام إدارة البلاد علي مواقفهم. (إلي المقال)

250÷1.000.000
السلام أجدي من الحرب في الماضي و الحاضر والمستقبل. لا يمكن لدولة ان تنمو و تتقدم مهما كثرت مواردها و مهما سالت فيها انهارا من النفط و توفرت لها جبالا من الذهب و هي في حالة حرب. لا يمكن للاستثمار الأجنبي ان يستمر في التدفق علي السودان و ان ينمو في ظل أوضاع أمنية متدهورة و في ظل اشتعال النزاعات كل يوم مما يجعل السودان بلدا مضطربا غير مستقر لدرجة تؤدي الي تصنيفه كدولة فاشلة. نقول للإخوة الأعداء الذين يتقاتلون في آبيي علي رقعة مساحتها 250 ميل مربع  اولئك الذي تعاهدوا في نيفاشا علي السلام ويتقاتلون هنالك من اجل حقول نفط، نقول لهم ان ذلك النفط و بالحساب الاقتصادي المستند الي قياس تكلفة الفرص البديلة لا يساوي شيئا بما يتوفر للسودان من موارد طبيعية و بشرية. السودان الذي يمتد علي مساحة مليون ميل مربع ذاخر بالموارد و الخيرات التي تكفي الجميع، فقط يحتاج للاستقرار و السلام و العدالة و يحتاج إلي حكم راشد عقلاني يجيد حساب الربح و الخسارة. ان بترول ابيي ومراعيها، التي تعايش فيها الدينكا و المسيرية في سلام لعشرات السنين يمكن ان يتحول الي لعنة إذا أزهق أرواح الأبرياء من الطرفين تلك الأرواح التي لا تعوض في حرب غير مبررة بكل الحسابات.  ان صبر هذا الشعب في طريقه للنفاذ وأرواح أبنائه و بناته تقتل كل يوم بواسطة أطراف في الحكومة ناهيك عن الحركات المقاتلة، أطراف تنتج الأزمات بدلا عن حلها.
هل استعصت مشكلة ابيي علي الحل؟ الجواب لا. هنالك عشرات الطرق التي يمكن ان تحل تلك المشكلة. ان محاولة حسم مشكلة ابيي عبر البندقية والراجمات و الطائرات لهي قضية خاسرة مثلها مثل الحرب السابقة في الجنوب او تلك المستعرة في دارفور ، لن يكسب احد الحرب و سيخسر الجميع . صحيح ان المواطن البسيط هو أول من يتضرر و يدفع ثمن أي حماقة ترتكب من أي طرف من الأطراف ولكن في النهاية فان النار ستأكل الجميع و ستقضي علي الأخضر و اليابس و ستلتهم النفط الذي أشعلت من اجل الفوز به و إذا استمر الحال علي ما هو عليه فلن يكفي نفط السودان والدول المجاورة لمعالجة ما ستحدثه الحرب من دمار خاصة و ان هنالك دوائر داخل شريكي نيفاشا لا تريد السلام و تهدد بالعودة الي الحرب . اذا تمت العودة للحرب فلن ينجي منها احد. إن الأوضاع اختلفت علي الأرض عن ما كانت عليه قبل نيفاشا و دخلت أطراف جديدة علي جميع الجبهات و اتسع نطاق الحرب و اليوم الثلاثاء(20 مايو 2008م)، عند كتابة هذا العمود هنالك شائعة عن اضطراب الأمور في الخرطوم. ان اتساع الأزمات و فشل حكومة الوحدة الوطنية في حلها جعل هذه البلاد تجلس فوق برميل بارود بعدد كبير من قداحات التفجير.
بما انه من المفترض أن يتم توقيع اتفاق بالأمس (في ذلك الوقت)  بين حزبي المؤتمر الوطني الحاكم و حزب الأمة القومي بقيادة السيد الصادق المهدي و هو من اكبر الأحزاب السودانية من حيث التاريخ و النفوذ و الشعبية فإننا ندعو ان يستلم السيد الصادق ملف آبيي و يسعي الي حله مع جميع الأطراف داخليا و خارجيا و ان يكون ذلك اختبارا للقدرات و ليعود ذلك الاتفاق ( بين الوطني و الأمة) بنفع علي الشعب السوداني بدلا عن عقد الاتفاقيات و التفاهمات المتكاثرة و النكوص عنها و بدلا عن( الكشمرة) " من كشمير " التي يبشر بها كل يوم. ايها السادة المتقاتلون في ابيي ان الحرب لن تنفعكم ، ان السلام أجدي بما لا يقاس مهما كانت تكلفته و ان الحرب مكلفة لجميع الأطراف مهما كانت نتائجها فعودوا الي السلم.
(حاشية أخيرة: لم ينجح الاتفاق بين المؤتمر الوطني وحزب الامة القومي بل تبخر كغيره من أشياء، ولا زالت محاولات الحوار بين الجانبين مستمرة، مما يثبت بالفعل عبثية الحالة التي يعيشها السودان، أما الشعب فهو كمرجل يغلي، بالرغم من عدم انفجاره حتى اليوم).

Dr.Hassan.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]