د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   

   مشروع الجزيرة اهم مشروع اقتصادي – اجتماعي في تاريخ السودان منذ نشأته كدولة و حتي اليوم. هو اكبر مشروع زراعي في افريقيا و نموذجا عالميا للمشاريع الزراعية ألكبري التي تدار بواسطة القطاع العام . هو لم يساعد فقط في مكافحة الفقر او رفع مستوي المعيشة و انما احدث نقلة " حضارية " حقيقية علي ارض الواقع ، بالتالي فهو من اهم النماذج الدالة علي نجاح التنمية الزراعية في زمانه عندما شال السودان علي كتفيه و مضي به في دروب النهضة و الازدهار. لذلك ارتبطت اجمل ايام السودان بمجد الجزيرة في الايام الافضل من حيث استقرار السودان و ريادة المشروع . مشروع الجزيرة يقع في مناخ ملائم لتركيبة محصولية تصلح للأمن الغذائي و للمحاصيل النقدية و هو بذلك تربة خصبة لاقامة مجمعات زراعية - صناعية تصلح ان تكون نواة لتنمية اقتصادية ذات مزايا نسبية كبري.

 

      لكن مشروع الجزيرة ليس مشروعا فحسب و انما ارتبط بمفهوم متكامل في تاريخ السودان و اقتصاده و وجدانه انه مفهوم " الجزيرة " ، انه كيان و دولة داخل الدولة بالمعني الايجابي. في داخل المشروع تنوعت المحاصيل رغم اشتهاره بالقطن و تنوعت الاعراق و الاجناس و اختلطت السحنات في مزيج جميل يعبر عن السودان الذي يمكن لاي سوداني ان يحلم به من حيث التعايش و الاندماج و التنوع. نما في مشروع الجزيرة نمط من الخدمات المرتبطة بالتنمية الزراعية مما احدث نقلة نوعية في المجتمع و دفع ذلك بابناء الجزيرة للتواجد في كل مكان و متي ما ذكر السودان بالخير كان لهم دور فيه بل و ذهب المجد اين ما ذهبوا.

 

 كاقتصادي لابد لي من التأكيد بان الخصخصة ليست كلها عيوب و انما تشتمل علي ايجابيات لا يمكن انكارها و هي بالنالي ضرورية ، لكن وفقا لاهداف و معايير و بشروط تشتمل علي الوضوح و التوافق و القبول و المشاركة و ان تعم فوائدها علي جميع افراد المجتمع . بالتالي فان الخصخصة دون تلك الاهداف و المعايير و الشروط ليست فقط عيوبا و انما طامة كبري.

    ما هي تلك الأشياء التي ذكرناها ؟ انها موجودة و معلومة و تم فيها البحث العلمي و التقصي و الاستنتاج ، لكن لا بأس من الوقوف علي بعض ملامحها بإيجاز. لنا ان نسأل ما هي اهداف خصخصة المشروع؟ هل هي رفع الكفاءة و زيادة الانتاجية؟ ام رفع عبء ما عن الدولة و زيادة كفاءتها المالية؟ ام الهدف زيادة الحصيلة الضريبة و توفير موارد للدولة جراء الخصخصة ؟ و ما هي اليات توضيح تلك الاهداف للرأي العام و التوافق حولها عبر مؤسسات الدولة و  منظمات المجيمع المدني؟ ربما يكون الهدف ايضا هو فتح قنوات للاستثمار الاجنبي في المشروع. لكن هل ذلك يعتبر خيارا جيدا من الناحية الاستراتيجية؟        من المعايير المهمة  تحديد نطاق الخصخصة و اعلان اهدافها ليست الاقتصادية فقط و انما السياسية و الاجتماعية. و من المهم تحديد الاساليب و التقنيات المناسبة للخصخصة التي تتوافق مع الاهداف و مع نوعية الانشطة التي يقوم بها المشروع. من المهم ايضا اتباع اساليب شفافة في تقويم الاصول المراد خصخصتها و تحديد نسب حقوق الملكية و اهلية و جدارة  الجهات  المتنافسة علي ملكية تلك الاصول. من جانب اخر من الاهمية بمكان ضمان المشاركة الشعبية الواسعة في اتخاذ القرار الخاص بتحويل ملكية مشروع مثل مشروع الجزيرة او حتي جزء منه لتجنب العواقب المستقبلية البالغة السلبية او الغاء ما ستقوم به الحكومة اليوم و معاودة السير من الخطوة الاولي مما يشكل اهدارا لطاقات مهمة و تبديد جهود العاملين في المشروع. هنا لنا ان نتساءل هل سيتم تمليك المزارعين جزء من اسهم الشركات التي ستباع لها اصول المشروع او خدماته؟ ما هي شروط تحويل الملكية؟ هل الشركات او الجهات التي ستباع لها الاصول سودانية ام اجنبية و ما هي نسب رأس المال الاجنبي في كل من تلك الوحدات من المتملكة؟    ان خصخصة مشروع مثل الجزيرة لا يعفي الدولة من مسئولياتها تجاه أي تطور مستقبلي في المشروع كما انها ستكون مسئولة بشكل مباشر عن الاثار الاقتصادية و الاجتماعية جراء الخصخصة. الاثار المباشرة الناتجة عن الخصخصة تشريد العمال و تركز المكاسب لدي قلة من الناس هذا اذا لم يتم تحويلها الي اجانب. يؤدي ذلك الي نوع من التفاوت غير الحميد مما يراكم الغبن و يؤدي الي الانفجار بشكل او باخر. الموضوع طويل لذلك سنذهب مباشرة الي نهايته لنسأل عن الاساليب التي سيتم إتباعها في انهاء الملكية العامة لما يراد خصخصته مع ضرورة توضيح مدي تلك الخصخصة و ماهو مسارها و اين ستقف؟ هل سيتم اتباع الطرق التي ستنهي الملكية بالكامل ام الطرق التي لا تنهي الملكية؟ هل سيتم اصلاح مؤسسات المشروع ام تركها كما هي عليه؟ هل ستتم خصخصة الادارة ؟ سيتبع نظام عقد الاداررة ام نظام التعاقد ام المشاركة ؟ اذا كان هناك شكل اخر فما هو؟ هل هنالك أي اتجاه لاستخدام أي من نظم منح الامتياز مثل نظامي : بناء – تشغيل تحويل (  BOT ) او  بناء- امتلاك – تشغيل – تحويل ( BOOT) ؟ اذا كانت هناك أي خيارات و اساليب اخري فما هو المانع من شرحها و توضيحها للمعنيين بالامر؟ و هم في حالة مشروع الجزيرة جميع اهل السودان في مختلف بقاعه و في مشارق الدنيا و مغاربها. نرجو ان تتبع الطرق العلمية الصحيحة في الخصخصة و ان يتم اتباع النهج الاقتصادي الراشد و السياسات القومية المؤدية الي التوافق و توسيع المشاركة في اتخاذ مثل هذا القرار البالغ الخطورة و ان يتم التصدي بجدية كبري للاثار الاجتماعية لخصخصة المشروع او خدماته او أي جزء منه.اخيرا لابد من ذكر المردود المتوقع من الخصخصة حتي يتمكن الناس من تقويم ذلك المردود بعد مضي عدد من السنوات علي الخصخصة.