د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

   لم تنه ( مع الاسف الشديد ) اتفاقيات السلام الشامل مظاهر العنف في المجتمع السوداني. ما ان ظهرت اشارات قوية نحو ايقاف الحرب المشتعلة في الجنوب و قرب المفاوضات حولها من نهايتها ، حتي اشتعلت حرب غير مسبوقة في عنفها في دارفور ، ثم انتشرت كالنار في الهشيم. لم يتوقف الامر عند ذلك الحد القاسي بل تعداه الي مظاهر العنف في الشمال ، في الاطراف و في العاصمة الخرطوم. شهدت العاصمة صدامات غير مسبوقة مثل التي حدثت بعد وفاة القائد جون قرنق و في سوبا و الاختراق الامني في ام درمان و لم تتوقف حوادث العنف في الجامعات السودانية. لكن الملفت للنظر هو ازدياد الصدامات القبلية و السياسية ذات التغذية القبلية في الجنوب و المزعج فعلا هو ازدياد وتيرة تلك الصدامات و اتساع رقعتها لتشمل جميع الولايات الجنوبية تقريبا. قد يقول قائل ان فترة الاربع سنوات الا قليلا التي انفردت فيها الحركة الشعبية بحكم الجنوب قليلة لإعطاء نتائج ايجابية في التنمية و السيطرة علي مكامن النزاع القبلي المتراكم لمئات السنين و الذي تغذي علي الحرب الاهلية في الجنوب و الصراع بين الحركات المسلحة هناك و بين الحكومات الوطنية في المركز منذ الاستقلال ، الا ان عدم توسيع نطاق المشاركة في الحكم و طريقة اتخاذ القرارات الخاصة بالتنمية قد زاد من حدة الصراع. ادي ذلك الصراع الي اهدار الموارد و تعطيل التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في الجنوب مما ساهم في التخلف الاجتماعي العميق و قوي من البنية التحتية للسيطرة القبلية و سيادة انماط متخلفة في الادارة و الاقتصاد.  من اهم النماذج المتبعة في العالم لانهاء الصراعات العنيفة و اشاعة الامن الاجتماعي هي نماذج التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و تحسين حياة الناس و تقديم حوافز قوية لهم حتي يشكل أي اختلاف عنيف خسارة في المكاسب يتردد أي من الاطراف القيام بها. لكن المطلوب الان هو بداية السير في الطريق الصحيح خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات و التي من الممكن ان تزيد من اشكال الاختلاف العميق المؤدي الي قتال عنيف.لا توجد جهود منظورة او حتي اجتهاد كاف من مختلف الاطراف المعنية بالمسار السياسي حتي اقامة الانتخابات و تقرير المصير لفهم طبيعة الخلافات و الاخطار المحتملة و الاتفاق علي وضع آليات للعلاج و التعامل مع المخاطر مجرد ظهورها.   هنالك اراء تتحدث عن ثقافة العنف لكن تلك الثقافة يمكن دحرها او الحد من اثارها و تطويقها في اضيق حدود ممكنة بالتوسع في مشاريع التنمية علي أن تراعيِ تلك المشاريع التوازن و اتساع مداها الجغرافي لتشمل جميع انحاء البلاد و لتسير في اتجاهين افقيا و رأسيا. عندما يستقر الانسان و يضمن معاشه و تكون لديه اصول مهما قل شأنها فانه يجنح الي السلم و يزيد تعاونه مع السلطات أي كان نوعها ، محلية او مركزية بدلا من ان يكون في علاقة تناحريه معها. الشواهد علي ذلك كثيرة من الغرب الامريكي و انتشار القرصنة في القرون الغابرة و تفشي العنف و مظاهر صغار العصابات في روسيا و جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة ايام الضائقة المعيشية بعد الانهيار. لكن بمجرد استقرار الامور و ازدهار النشاط الاقتصادي و توسع الأعمال و زيادة المكاسب انتهت الجريمة الصغيرة و الصدامات المسلحة بين المواطنين و أصبحت في المعدل الطبيعي و ساد حكم القانون. بالتأكيد فان من اول مستلزمات التنمية تقديم الخدمات الاجتماعية التي تزيد من درجة الوعي و تدمج المنفلتين في المجتمع كذلك الخدمات الصحية و النيات التحتية و إشاعة ثقافة السلام بالتزامن مع مشاريع التنمية. لا يمكن لثقافة السلام ان تنتشر مع تفشي الفقر و الجهل و المرض . أي لا ثقافة للسلام بدون تحسين شروط حياة الناس و الانتقال بهم الي مستوي جديد من اسلوب الحياة بدلا عن ذلك الذي ينتج و يعيد انتاج العنف. قبل الانتخابات لا بد من تكثيف تخصيص الموارد في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و التواضع علي آليات مشتركة متحضرة لإدارة الاختلاف.