د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم  عندما نقول ان الحل في التخلص من اثار الازمة المالية العالمية علي السودان و التعافي من الخلل الهيكلي الخطير و من اختلال النظام التوزيعي في الاقتصاد السوداني يكمن في جانبين هما: اولا : تكثيف الاستثمار في البنيات التحتية و زيادة حصة الانفاق التنموي بما فيه الانفاق عي التعليم و الصحة ، و الجانب الثاني هو دعم تنافسية القطاع الخاص السوداني ليسهم بدوره في التنمية خاصة في قطاعات الانتاج الحقيقي ، عندما نقول ذلك نثير امتعاض الكثيرين خاصة في اروقة صنع القرار الاقتصادي. لكن ما هي نتائج الاختلالات التي اشرنا اليها علي الاقتصاد السوداني؟ انها مزيد من الازمات و زيادة مستويات الفقر و الامية و تدهور الخدمات الصحية و ضعف الاداء الاقتصادي و التخلف. انظروا الي بعض الشواهد علي ذلك مثل ما اثارته وزارة التربية و التعليم الاتحادية حول انخفاض معدلات التمدرس بشكل كارثي ، اذ اظهرت الاحصائيات ان هنالك عشرات الالوف من التلاميذ في سن الدراسة لا يجدون طريقهم الي مقاعد الدرس، هذا خلاف الذين لا توجد لهم مقاعد او أي امكانيات للدراسة. اضيفوا تلك الارقام الي الفاقد التربوي بعد المرحة الثانوية و تفشي البطالة و عدم الانشغال بتوفير فرص عمل جديدة. شاهد اخر هو تشوه النظام التوزيعي للدخل و الثروة و ارتفاع معدلات الفقر ، و من اهم الادلة علي ذلك ضمور الحد الادني للاجور امام موجات الغلاء لتصبح المرتبات لا تفي بسد الرمق ناهيك ان تتجه نحو الادخار و مراكمة الاموال اللازمة للاستثمار. المعاشات ليست غير كافية فحسب و انما مثيرة للسخرية هذا غير اعتماد الكثير من السودانيين في معاشهم علي القطاعات التقليدية في الزراعة او الحرف و التي لا تفي عائداتها بالحد الادني اللازم لحياة عادية لا في الريف و لا في الحضر.  ان نمو الاقتصاد الريعي المعتمد علي التنمية العقارية و تحويلات المغتربين لن يقود الي التنمية كما يفاقم من المشكلات الاعتماد علي قطاع واحد في التنمية و في الصادرات. ان الازمة المالية العالمية الحالية اثبتت ان طريق التنمية الرأسمالية ليس هو الطريق الوحيد المؤدي الي الرفاهية الاقتصادية. ان انهيار الاتحاد السوفيتي السابق و الدول الاشتراكية في اوربا لا يعني اطلاقا نهاية التاريخ و الانتصار الحاسم للنظام الرأسمالي. ابلغ دليل علي تلك الفرضية ما حدث في دول امريكا اللاتينية مثل البرازيل و فنزويلا و تشيلي و غيرها من الدول اضافة الي التجربة الصينية و الهندية المعتمدة علي نماذج بعيدة عن التوجه الراسمالي التقليدي او الحديث. انظروا الي واحدة فقط من التجارب هي التجربة البرازيلية . يقول الرئيس البرازيلي دا سيلفا في مقالة له اعيد نشرها بصحيفة " الوسط الاقتصادي" ، " و لا اعرف مصدرها الاساس و هو ما ارجو ان تفعله الوسط عند نشرها للمقالات العالمية بالاشارة الي مصدرها"، يقول: " كان الوضع الذي ورثته لا يتعلق فقط بالصعوبات المادية ، لكن ايضا بممارسات متجذره كانت تهدد حكومتنا و اخذنا الي الركود .... كان علينا ان نختار بين السوق الداخلية و السوق الخارجية فاما ان نقبل بما يمليه علينا الاقتصاد المعولم الذي لا يرحم او ان نعيش في عزلة قاتلة" ذلك هو الوضع عند وصوله الي السلطة. و لكن ماذا فعل للخروج من ذلك المأزق؟يواصل الرئيس البرازيلي في مقاله الذي اشرنا اليه المعاد نشره بالوسط الاقتصادي، العدد 452، بتاريخ 8 ابريل 2009م  ليقول " ... لقد حطمنا تلك الخرافات في السنوات الستة الماضية . لقد حققنا النمو و نعمنا بالاستقرار الاقتصادي ، و ترافق النمو الذي حققناه بشمول عشرات الملايين من الشعب البرازيلي في السوق الاستهلاكيه . لقد وزعنا الثروة علي اكثر من اربعين مليون شخص كانوا يعيشون تحت خط الفقر" هذا ما قصدناه بالسياسة التوزيعية التي تعني اعادة توزيع الدخول عبر ادوات السياسات الاقتصادية الكلية و المدفوعات التحويلية و التنمية المتوازنة و دعم قوت الشعب و تقديم الخدمات الاجتماعية الاساسية و توفير فرص العمل للعاطلين الذين يعانون من الفقر في ظل البطالة. يواصل دا سيلفا ليقول " ... ضمنا ان ينمو الحد الادني للاجور الوطنية باستمرار و بأكثر من معدل التضخم ( لاحظوا هنا : باعلي من معدل التضخم ، أي نموا حقيقيا و ليس اسميا).. اشعنا الديمقراطية في الحصول علي الائتمان ( هنا التمويل ) و اوجدنا اكثر من عشرة ملاين وظيفة و مضينا قدما في اصلاح الاراضي" . انظروا الي ما فعلت تلك الدولة التي وقع معها السودان جملة اتفاقيات في مجال التنمية الزراعية المتكاملة مع التصنيع و رمزية اهتمامها باصلاح الاراضي. يصل مقال دا سيلفا الي نتيجة مهمة هي " .. لم تتوسع سوقنا المحلية علي حساب الصادرات التي تضاعف ثلاث مرات في ست سنوات . و استقطبنا احجاما هائلة من الاستثمار الاجنبي دون ان نفقد سيادتنا. لقد مكننا ذلك من من مراكمة 207 مليار دولار من احتياطات العملات الاجنبية . و بذلك .. حمينا انفسنا من اسوأ آثار الازمة المالية التي رغم انها نشأت في مهد الرأسمالية ، الا انها تهدد هيكل الاقتصاد العالمي بأكمله". انه قول فصل في الاقتصاد و التنمية و عن السياسات الاقتصادية الرشيدة ذات التوجه نحو الشعب و محاربة الفقر و السعي بجدية نحو تحقيق اهداف العدالة الاجتماعية.

    ان نهج الليبرالية الاقتصادية الجديدة غير مفيد للدول النامية و سيقود إتباعه حتما الي الضياع. ان التوسع في اتباع آليات عمل السوق و التحرير الاقتصادي يؤدي الي توسيع الهوة بين الاغنياء و الفقراء و تمركز الدخول لدي نسبة قليلة من الناس و يزيد من معدلات الاحتكار و يضعف معدلات النمو الاقتصادي و يقود الي آثار اجتماعية كارثية اول ما تؤدي اليه انعدام الاستقرار و انفراط عقد الامن الاجتماعي. يتطلب التخلص من اثار الازمة الاقتصادية العالمية و من مأزق مسار التنمية البحث عن بدائل للتنمية تتجه نحو التحرر من التخلف و توسيع المشاركة السياسية في صنع القرار و تأمين متطلبات الحياة و ايجاد الترابط و التكامل الاقتصادي و الاجتماعي و التعامل مع العولمة بشكل عقلاني دون اللهاث وراءها كما يتطلب ذلك العناية الفائقة بالجوانب الاجتماعية خاصة في التعليم و الصحة و الاهتمام بتوطين التكنولوجيا و تقانة المعلومات و تطوير البحث العلمي. بذلك الشكل يمكن الاستفادة من ايجابيات العولمة دون التورط في سلبياتها. و بذلك نعود مرة اخري الي بداية المقال من الاستثمار في البنية التحتية بما فيه الاجتماعية و تشجيع الصناعة الوطنية.

 hassan mn bashir <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>