سؤال غريب في حد ذاته لكن هناك اسباب لطرحه.كيف يمكن لبلد ما ان يكون موحدا واكثر استقرارا وهو في حالة حرب من ان يفعل ذلك وهو يعيش اتفاقا للسلام، أوقف حربا استمرت لعقود من الزمان وأزهقت أرواح ما لا يقل عن مليوني شخص بحساب مباشر، دون الأرواح التي ضاعت لأسباب ذات علاقة غير مباشرة بالحرب في ظاهرها ولكنها في الواقع هي نتاج لها. من الأسباب غير المباشرة التدهور الاقتصادي، تفشي الفقر والبطالة وتفاقم اثار الكوارث الطبيعية العارضة والكوارث البيئية الناتجة عن تغير المناخ والكثير غيرها من الأسباب التي لا تمكن من العيش بشكل طبيعي وتؤدي الي التسبب في الموت. كذلك من اثأر الحرب عدم استقرار الأنظمة السياسية وتواتر الانقلابات العسكرية التي تصاحبها كثير من المآسي بشكل مباشر او غير مباشر. اذا اقتنعنا بان النفط نعمة مثلما هو نقمة ذلك لتحسينه من شروط الحياة بدفع عجلة التنمية والنمو وازدهار النشاط الاقتصادي وارتفاع الدخل القومي، كما انه، من ناحية اخري، نقمة كونه يزكي نيران الصراع من اجل الاستحواذ علي الثروة واكتناز الأموال، كما يمكنه ايضا ان يساعد في تمكين الحكام وترسيخ الظلم والاستبداد في غياب الديمقراطية والحريات وفي بعض الحالات يؤدي الي حروب طاحنة، محلية كما يجري في نيجريا او دولية كما حدث في العراق. اذا سلمنا بكل ذلك وان نفط السودان بعد ان كان نعمة في أول عهده بإنقاذه للاقتصاد السوداني من الانهيار ولجاذبيته التي مكنت من التوصل الي اتفاقيات السلام الشامل، لكنه في هذه الأيام والتي يمكن ان نسميها (العهد الأخير) للنفط السوداني، فقد تحول الي خطر داهم يهدد وحدة السودان وامنه واستقراره ويمكن ان يدخله في حرب ضروس. أهم أسباب الخلاف والصراع بين شريكي نيفاشا  واهم أسباب الهجمة الخارجية علي السودان التي تستهدف فصل الجنوب تدور حول النفط. في إثبات ذلك دونكم ابيي التي كانت مثالا للتعايش السلمي والتواصل الاجتماعي غير المسبوق بين الأعراق المختلفة، خاصة من ذوي الأصول العربية والقبائل النيلية، هاهي إذن تتحول لبؤرة للصراع ولبرميل بارود يمكن ان يؤدي الي حريق لن تستطيع مياه النيل إخماده كما لا تستطيع قنبلة مثل التي ألقيت علي هيروشيما او نكازاكي ان تحدثه.
هذا شيء مما كان من امر النفط اما السلام فموضوعه اخر. لم تكن هناك حرب شرسة في دارفور بمثل ما هي عليه بعد توقيع اتفاقيات السلام. لم يكن السودان مهددا بالانفصال والتشظي قبل تلك الاتفاقيات وما جاءت به من سوابق في حقوق لم ترقي لمستوي الحقوق التي توفر حياة كريمة للناس وتضمن لهم (الإطعام من الجوع والأمن من الخوف)، بل هاهي تنتهي الي إخراج أشباح التعصب والعنصرية ودعاة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، تخرجهم من كل نوع وشكل وتعمل علي توطينهم في مفاصل المجتمع بشكل لا يزعزع الاستقرار فحسب وإنما يذهب بريح شيء كان يدعي (وطن الجدود)، كيف لسلام بالله ان يفعل ذلك؟ لا بد ان هناك خطأ فظيع قد وقع. يبدو ان السلام لم يقع في يد صناعه او لم يأتي في زمانه أو ان الاسم الذي أطلق علي تلك الاتفاقيات كان مزيفا ويحمل في طياته بذور فتنة وليس بذرة سلام تزرع في الأرض فتبقي وتنفع الناس.
تبقي الإجابة ان السلام نعمة ولا يمكن ان يكون نقمة في يوم من الأيام وان ما يجري الان لا علاقة له من بعيد او قريب بالسلام وإنما هو ابن شرعي للحرب. اذا كان هناك سلام ودعاة سلام وطلاب سلام فليثبتوا لنا ذلك بالعمل والممارسة الفعلية علي الأرض دون تصريحات وندوات ومؤتمرات ومقالات وصحف ومجلات ودون مجلس امن، لم يوفر لأحد الأمن في يوم من الأيام، حتي للدول العظمي التي خرجت عن مظلته وقوانينه ومواثيقه وشنت حروب يدفع العالم ثمنها، وقد فعلت ذلك بحثا عن أمنها وسلامها المفقود. لقد وصل السادة أعضاء مجلس الأمن بسلام الي وطننا ووجدوه في وضع مهزوز، لكن ما يتهدده من مخاطر اكبر بكثير مما جاءوا ليتأكدون منه. فليعودوا بسلام امنين الي مجلسهم وليبحثوا لنا عن صيغة تمكن بلادنا من تحقيق السلام والأمن ، ليفعلوا ذلك لأول مرة في تاريخهم. ونقول لهم ان أفضل ما يمكن ان يحقق السلام في السودان هي الوحدة. الوحدة مع كامل الحقوق لجميع شعوب السودان في الجنوب ، في دارفور ، في الشرق وفي الشمال. الوحدة مع الحرية للجميع ومع ترسيخ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وان يأخذ كل ذي حق حقه ظالما كان او مظلوما. في هذه الحالة سنضمن ان السلام سيكون نعمة علي السودان، لان هذا البلد لم يشهد القتال او الحروب الأهلية منذ عشرة سنوات او اقل وإنما شهدها منذ فجر الاستقلال في العام 1955م عندما تفجر(التمرد) الأول، ومع ذلك فان السلام والاستقرار الذي شهده في عهود سابقة لم تتحقق حتي لاكثر البلدان استقرارا. السودان لم يكن مهددا بمخاطر لا حدود لها كما يحدث اليوم، وللمفارقة بعد توقيع عدد من اتفاقيات السلام أهمها اتفاقيات نيفاشا التي تسير بالجنوب نحو الانفصال وبالبلاد الي دوامة من الحروب لا يعرف نهاية لها الا الله علام الغيب. ننتظر حتي ولو نتيجة واحدة ايجابية من زيارة مجلس(الأمن) للسودان، ولتكن تلك النتيجة ذات علاقة بتسمية المجلس.


Dr.Hassan.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]