عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
       دخل موسم زراعة القمح في نهايته و بدأ الحصاد في واحدا من اكبر المشاريع الزراعية ، هو مشروع الجزيرة الذي بلغت المساحة المزروعة فيه بالقمح حوالي ال 500 الف فدان. التوجه نحو زراعة القمح و توطينه بمشروع الجزيرة قرار استراتيجي حسب رؤية الحكومة و بالتالي جاء بناءا علي قرار سياسي يهدف الي تحقيق  الامن الغذائي و الخروج من دائرة  الاملاء و امكانية استخدام القمح كسلاح. بشكل مبدأي يمكن الموافقة علي ذلك التوجه بناءا علي ما يحيط بالسودان من ظروف و انطلاقا من اهمية الامن الغذائي للاستقرار مهما كانت الظروف و الصعاب التي تواجه القرار. من جانب اخر يمكن الموافقة علي ذلك التوجه بقرأة اتجاهات اسعار الغذاء و الارتفاع الشديد الذي حدث في سعر دقيق القمح الذي احس به كل من يستهلك رغيف الخبز كقوتا أساسيا، بالاضافة لاحتكار السلعة من قبل دول معينة من حيث الانتاج و ارتفاع الانتاجية و تزايد الطلب العالمي عليه . زاد من حدة منحنيات الطلب علي القمح ارتفاع المستوي المعيشي في اكثر البلدان كثافة سكانية مثل الهند و الصين مما ادي بدوره الي تغير نمط الغذاء و الاستهلاك بشكل عام . شكل كل ذلك ضغوطا كبيرة استدعت اللجوء الي توطين زراعة القمح في السودان و يكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة اذا كان مصحوبا بتوجها حكوميا يقوم بدعم انتاج السلعة و تمهيد الطريق نحو تسويقها و بالاستمرار في دعم رغيف الخبز.
  نأتي بعد ذلك للمهم و الذي عادة ما يبدأ ب ( و لكن ). هنالك اولا تكاليف الانتاج التي يجب معالجتها و بيد الحكومة الكثير من خيوط تلك العقدة ابتداءا من الضرائب و الرسوم و ارتفاع تكاليف الخدمات. يضاف الي التكاليف الجوانب المتعلقة بالبنيات التحتية المستخدمة في الانتاج و مختلف انواع التكنولوجيا من البسيطة الي الاكثر تعقيدا و اساليب الري و قنواته و الترحيل و التخزين و التسويق. يضاف لذلك التكاليف الخاص بنقص المعرفة الفنية و التاهيل و المهارات. كل تلك الجوانب مهمة لضمان عملية انتاجية يمكن ان تكون مجزية و مقنعة للمزارع في الاستمرار في زراعته و حتي لا تكون تكلفة انتاج القمح اعلي من المستورد مما يلغي اهميته الاقتصادية و يحصره في الاعتبارات السياسية  . تأتي بعد ذلك مشكلات التمويل و هي مشكلة مزمنة في القطاع الزراعي يجب ايجاد الصيغة المناسبة لعلاجها لان التمويل عنصر اساسي لضمان الاستمرار في زراعة القمح. هنالك خصوصية للتمويل الزراعي ترتبط بالدورة الزراعية و بنظام المخاطر الخاصة بالزراعة، لذلك لابد ان تراعي السياسة التمويلية تلك الخصوصية مثل ان يمنح المزارع الوقت الكافي لتسويق انتاجه و مراعاة جوانب الربح و الخسارة للاسباب الخرجية التي تقع بعيدا عن ارادته. يجنب ذلك المزارع الوقع في مصيدة السماسرة المتربصين به تحت سيف سداد التمويل المسلط عليه بالتزامن مع نهاية الموسم الزراعي دون فترة سماح معينة. في هذه الحالة من الافضل انشاء صندوق خاص بالتمويل الزراعي يعتبر داعما للبنك الزراعي الذي تشبه اساليب تمويله الاساليب التجارية قصيرة الاجل بدلا عن الاختصاص في التمويل الزراعي علي المدي المتوسط و الطويل بشكل يصل به الي التمويل الصناعي في مجال انتاج الغذاء مثلا ، و خذوا في ذلك مشروع سكر كنانة كمثال. نفس الشيء ينطبق علي بنك الثروة الحيوانية و بشكل اقل علي بنك المزارع بحكم طبيعته التجارية الخالصة. نخلص من متابعتنا للموسم الزراعي بفترتيه الصيفية و الشتوية الي نتيجة مهمة متمثلة في استمرار اعسار المزارعين في مختلف مجالات الانتاج الزراعي من الذرة الي القمح الي الصمغ العربي مما يجعل ظاهرة الاعسار ظاهرة مزمنة تستدعي العلاج الناجع و هو ما نأمل ان يحدث خلال مناقشة موازنة العام القادم و من خلال مراجعة السياسات الزراعية بشكل متكامل للموسم الزراعي المقبل.