يتحدث معظم قادة الحركة الشعبية عن استعدادهم للحرب أكثر من حديثهم عن استعدادهم لمواجهة تحديات التنمية او علي الأقل إنجاح الموسم الزراعي بعد الموسم السابق الذي نتجت عنه ازمة غذاء واسعة في معظم أنحاء الجنوب.في الجدل الدائر حول الانفصال وهل سيكون سلميا ام عنيفا يطرح سؤال نفسه بإلحاح باحثا عن إجابة: من الذي سيمول تسليح الجنوب بشكل مستمر بعد الانفصال؟ في حالة الانفصال السلمي فان عائدات تصدير البترول الواقع في الجنوب والذي تم استخراجه بواسطة الشمال وتمر خطوط تصديره عبر الشمال كفيلة بضمان ميزانية دسمة لحكومة الجنوب تمكنها من تسليح نفسها بشكل كافي يوفر احتياجات دولة.سيكون ذلك امرا حيويا للدولة الوليدة التي ستعاني دون شك من مشاكل داخلية وإقليمية تزعزع أمنها واستقرارها بشكل خطير. كما سيكون ذلك مهما كمصدر رئيس وحيوي للتجارة الخارجية للدولة الوليدة يوفر النقد الأجنبي بشكل يضمن ميلاد صحي لعملة جديدة سيشهد العالم تداولها لأول مرة في التاريخ، هذا بشرط اعتماد عملة وطنية مستقلة. يكفل تصدير البترول استقرار كبير في ميزان المدفوعات ويعطي العملة الوليدة قدرتها الشرائية والتبادلية قياسا مع العملات الاخري المحيطة بها. من جانب اخر فان انسياب عائدات البترول عبر أنابيب الشمال ومعامل تكريره سيكون مربحا لتجارة السلاح الني ستتحول، لا مناص الي الغرب بدلا عن أوكرانيا او روسيا، ذلك ضروريا لربط مصادر التسلح بالجهات المانحة والشركاء السياسيين، الاقتصاديين والتجاريين وبضمان وجود الخبراء الذين يتولون التدريب داخليا وخارجيا وضمان الإمدادات المستمرة وقطع الغيار والتحديث.
  اما في حالة الانفصال العنيف فان البترول الذي لا يوجد له منفذ غير الشمال سيتوقف. وهنا سيلح السؤال حول من الذي لديه مصلحة في تحمل تكلفة تمويل حرب مجهولة المآلات وغير معروفة النتيجة ولا محسومة من حيث الآثار؟ الإجابة تحتاج لمختصين في الشأن العسكري والاستراتيجي. من حيث التحليل الاقتصادي الرشيد فمن الصعب الجزم بان هناك جهات نظامية ستقوم بتحمل ذلك العبء الثقيل. سيذهب البعض مباشرة بالإشارة الي إسرائيل، لكن السؤال هو هل لإسرائيل مصلحة في تمويل حرب في بلد غير مستقر؟ هل هي في حاجة إستراتيجية لتمويل دولة تسير نحو المجهول؟ اذا كان الداعي هو المياه فان الحرب لن تمنع تدفق المياه نحو الشمال ولن تقيم سدودا علي النيل. إما إذا كانت الحاجة هي زعزعة الشمال، فهذا تكفيه بلاويه. ستفتح جبهة جديدة للحرب مع الجنوب تضاف لدارفور، ستشتعل مناطق اخري في نقاط التماس بين الجنوب والشمال مثل المناطق الثلاث، التي تنتظر الاستفتاء(ابيي) او المشورة الشعبية( جنوب كردفان والنيل الازرق)؟ يحدث ذلك مع توقف شبه حتمي لتصدير البترول او نقص كمياته بشكل خطير. سيدخل ذلك موازنة الدولة في ورطة حقيقية ولن تجد الدولة بدا من المسك بتلابيب المواطن جباية الي ان تلفظ الدخول أنفاسها الأخيرة ويتحول الاقتصاد الي نمط معيشي منعدم الكفاءة. توقف البترول سيعصف كذلك بقدرات الجنوب ويجعله يبحث عن منقذين فالشمال ، في حالة الحرب لن يكون غبيا ليسمح بمرور البترول من دولة تقف معه في حالة حرب.
  في هذه الحالة ستكون الحرب، حرب استنزاف للطرفين دون فرصة او السماح لاي منهما بان يحقق نصرا حاسما علي الأخر وهذا ما ستنشط من اجله العديد من الجهات ليس بالضرورة ان تكون حكومية. لتحقيق الهدف الاخير سيتم ضخ المزيد من الوقود للحرب في دارفور وإشعالها في مناطق اخري. سيتم تجميد الوضع علي هذه الحال بإلغاء السودان بكامله، بشكله الحالي الي حين تشكله علي نمط جديد غير واضح الملامح حتي اليوم.
  لا يمكن القول ان هناك دولة من دول الجوار الجنوبي تستطيع تحمل تكلفة تمويل الحرب دون ان تكون هناك فوائد مضمونة ستعود عليها في المستقبل المنظور، حتي الان لا توجد ولا دولة واحدة من دول الجوار الجنوبي مؤهلة سياسيا واقتصاديا وامنيا للقيام بذلك الدور. اما الدول الاخري، خاصة المحبة للمغامرات فلن تستطيع الخروج عن طوق المصالح الدولية الخاصة بالدول ألكبري. اما بخصوص العقوبات التي تهدد الولايات المتحدة الأمريكية بفرضها علي الشمال فانها، في حالة الحرب لن تعدو ان تكون نتائجها هي(زيادة الطين بله). أما إذا نجح السودان الشمالي في تامين الحقول المنتجة للبترول او معظمها ، فان اثر محاصرة مواني التصدير ومنع انسياب الصادرات البترولية سيكون بليغا. لكن تأمين إنتاج البترول في حالة نشوب حرب سيكون مشكوك فيه، كون ان الحرب ستكون مختلفة وبقدرات تدميرية وتخريبية عالية، ولن يعدم أي من الطرفين الحصول علي الأدوات اللازمة لذلك الغرض. في كل الأحوال فان اثر العقوبات سيضاف الي الآثار السابقة التي اشرنا اليها وسيكون انعكاس تلك الاثار علي نسبة ال 95% من السكان التي ترزح في برزخ المعاناة اللا نهائي كارثيا ومدمرا.
نخرج من كل ذلك بنتيجة بسيطة هي ان الأفيد لشريكي الحكم والاجدي لهما هو صيانة المصالح العليا للوطن ومواطنيه لان ذلك يصب في مصلحتيهما وفي تمتعهما بالسلطة التي يبدو أنهما قد وصلا فيها لدرجة الوله. من الأفضل ان تتم الوحدة علي أسس جديدة حتي لو أدي ذلك الي تمديد اجل الاستفتاء الي حين تحقيق هذا الهدف لان ما تبقي من زمن غير كاف لانجاز أي شأن مهم. أما إذا انعدمت فرص الوحدة كما تشير مواقف القادة المتنفذين في الحركة الشعبية فالاجدي والأفيد و الأمن  هو تجنب الحرب والانفصال بشكل سلمي يؤدي الي صيانة المصالح للطرفين وإقامة علاقات جوار بناءة تعود بالخير علي شعب السودان في الشمال والجنوب وتوفر الشروط الضرورية لقيام دولة مستقرة في الجنوب وتضمن استقرار ما تبقي من السودان(القديم)، ذلك خير وأنفع للطرفين، أما السيناريوهات الاخري فستحرق الأطراف سريعا وتمتدد الي بقية الجسد ولن تبقي شيئا يستحق القتال من اجله.


Dr.Hassan.
hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]