د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
 

المقصود هنا هو خطط الانقاذ الاقتصادي التي يقوم العالم بوضعها هذه الايام للخروج من الازمة الاقتصادية الكبري التي تدمر في هدوء الاقتصاد العالمي. ان وصفات صندوق النقد الدولي وشروط البنك الدولي التقليدية ستؤدي بالدول النامية الي هلاك محتوم. اذا اخذنا اجتماع مجموعة العشرين الذي انعقد هذا الاسبوع في هورشام قرب العاصمة البريطانية لندن علي مستوي وزراء المال و محافظي البنوك المركزية للمجموعة، اذا اخذناه كمثال لقوة خطط الانقاذ العالمية و توجهها لوجدنا اهمالا مخيفا لاقتصاديات الدول النامية. من الواضح ان مجموعة العشرين و التي تتكون من الدول الثمانية الكبري مضافا اليها كل من الصين ، كوريا الجنوبية ، اندونيسيا ، ، الهند ، تركيا ، السعودية ، المكسيك، البرازيل ، الارجنتين ، استراليا ، جنوب افريقيا و الاتحاد الاوربي  تهتم بنفسها و بايجاد اساليب للعمل تخرجها من الازمة الطاحنة التي يمر بها الاقتصاد العالمي. صحيح ان تلك الدول تسيطر علي ثلثي التجارة الدولية و تنتج 80% من الناتج الخام العالمي و صحيح ايضا انها اكثر تأثرا بالازمة المالية من بقية بلدان العالم. لكن الصحيح ايضا ان غالبية سكان العالم رغم تضخم سكان كل من الصين و الهند تعيش خارج تلك الدول و تعاني من مستويات عالية من الفقر و التردي في مستويات المعيشة.
  تركزت اهداف اجتماع مسئولي مجموعة العشرين حول محاور معينة اهمها حماية المؤسسات المالية ، اصلاح النظام المالي العالمي ، انعاش عمليات الاقراض ، الملاذات الضريبة و الحمائية. لتحقيق تلك الاهداف تسعي المجموعة الي زيادة الرقابة المالية و الاشراف علي اسواق المال لتفادي " تراكم مخاطر هيكلية " ، كما ستسعي الي دعم السيولة و ضمان توفر رؤوس الاموال بكميات كافية لدي البنوك و التعامل مع الاصول الفاسدة " او الهالكة " . لتحقيق الهدف الخاص بالسيولة و توفير رؤوس الاموال ستستمر البنوك المركزية في سياساتها المالية التوسعية كما ستفي الدول بالتعهدات التي قطعتها علي نفسها في انقاذ اقتصادياتها . لكن منهجية الاصلاح و خطط الانقاذ اصطدمت بخلافات عميقة بين دول المجموعة و تنازعت بين الاولويات و هل الاجدي هو الاستمرار في السياسات التوسعية و زيادة الانفاق ام احكام الرقابة و الاشراف و انتظار نتائج ما قامت به الحكومات حتي الان ؟. جاءت بعض التصريحات لتطمئن دول بعينها مثل الصين و كان اهمها التأكيد علي الحفاظ علي حرية التجارة و الاستثمار و ذلك في الرد علي التحفظات الخاصة بالحمائية. موضوع اخر اثار خلافات عميقة و هو ذلك المرتبط بالملاذات الضريبية مما دفع بعض دول الجنان الضريبية مثل سويسرا و لكسمبورغ و النمسا الي تقديم تنازلات حول سرية الحسابات المصرفية. كل تلك الافعال طبيعية في مجموعة تعتبر ابنة شرعية للازمات ، اذ تزامن و لودها مع تفاقم الازمات المالية في نهاية القرن العشرين و مع هيمنة الامبريالية المالية علي الاقتصاد العالمي  
 اهم ما ركزت عليه تداولات المجموعة لتحفيز الاقراض هو زيادة موارد صندوق النقد الدولي من 250 مليار دولار الي 500 مليار حسب الدول الاوربية و الي 750 مليار دولار حسب الرؤية الامريكية.  لكن لم تتحدث المجموعة كثيرا و كانت غامضة حول تحفيز النمو و كان همها الاكبر زيادة الوظائف و زيادة الطلب و مع اعتماد تحقيق الهدفين علي تحفيز النمو الا ان الوضع مختلف جدا بين الدول النامية من الجهة و بين الدول المتقدمة و الصاعدة من جهة اخري.    تحتاج الدول النامية الي تكثيف الاستثمار في قطاعات الانتاج و تحديثها بالحصول علي التكنولوجيا المتطورة كما تحتاج الي البنيات التحتية و الكفاءة اضافة لحاجتها لاستيفاء شروط التنافسية في الاسواق العالمية و كلها مطالب لن تستطيع الدول النامية لتحقيقها دون مساعدات خارجية و دون تدفقات كبيرة من الاستثمارات عليها لتوظف في المدي الطويل. في هذا الاطار تحتاج تلك الدول الي زيادة القدرة المالية للبنك الدولي اكثر من حاجتها لقروض الصندوق. ذلك لان البنك الدولي من حيث الاختصاص يركز علي الجوانب التنموية و الاستثمار في البنيات التحتية و رفع القدرات في الدول النامية لتحفيز الانتاج و تحديثه.
 من اهم الجوانب المهملة في خطط الانقاذ التي تبادر بها الدول الاغني في العالم بمختلف مجموعاتها و مسمياتها تلك المتعلقة بمحاربة الفقر و تعزيز النمو و الاهتمام بالملفات البيئية ذات العلاقة بالامن الغذائي. نجد ان الازمة المالية قد ازاحت العديد من الاولويات التي تهم الدول النامية و منها برنامج الالفية الذي اختفي من اولويات الاهتمام العالمي. يحدث ذلك في الوقت الذي يمر فيه العالم بازمة غذاء و ارتفاع في الاسعار و مع تراجع مستويات الدخول و تفشي البطالة و انشغال الدول الغنية بازماتها الداخلية. بهذا الشكل قد يشهد العالم كارثة حقيقية اول من يدفع ثمنها فقراء العالم الذين يعيشون خارج دول العشرين. من المهم تعزيز الجدارة المالية للدول متوسطة النمو لتشكل رافعة اضافية لانقاذ الاقتصاد العالمي و تمكين تلك الدول من الوصول الي الاسواق العالمية بتنافسية مقبولة تدعم استمرارية النمو فيها. لكن كل ذلك لن يحدث الا بمساعدة تلك الدول علي تحسين مناخ الاستثمار و تطوير البنية التحتية و الخدمات العامة و بناء المؤسسات الحيوية للدولة .
    اما بالنسبة للدول الاكثر فقرا و تلك التي تعاني من الصراعات فان الازمة المالية ستعوق وصول المنح و الاعانات التي تنتشل جماعات واسعة من السكان من الموت جوعا او بسبب الامراض و الاوبئة. من المخيف التفكير في ان الازمة المالية العالمية قد تعوق ترسيخ السلم العالمي و تزيد من حدة النزاعات مع تمادي العالم ( المتحضر ) في الكيل بموازين مختلة و الاسهام في تأجيج النزاعات و التوسع غير المحسوب في فرض العقوبات الاقتصادية التي لم تأتي في يوم من الايام بمردود ايجابي يذكر و ربما افضل انجازاتها هو اطالة عمر الانظمة الديكتاتورية و تراجع قيم الديمقراطية و الحرية و زيادة معدلات الفقر. في ظل هذا الوضع يجب تعزيز الروابط مع الدول الاسيوية و دول امريكا اللاتينية و جنوب افريقيا التي تنتمي الي مجموعة العشرين و ترسيخ التعاون الاقتصادي معها و تفعيل التكتلات الاقليمية مثل الاتحاد الافريقي و مجموعة ال 77 حتي يصبح من الممكن امتلاك ادوات ضغط علي الدول الراسمالية الغنية و اصلاح مؤسسات التمويل الدولية لتسهم بفاعلية و بشكل جاد في عمليات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و برامج مكافحة الفقر و وضع أولويات الاقتصاديات النامية و الفقيرة ضمن أجندة الإنقاذ و الإصلاح الجارية في الاقتصاد العالمي.