د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم

     عند الشروع في إدخال بلد ما في نفق العقوبات الدولية و ربطه بسلسة متصلة من القرارات الدولية يكون من المقصود تحميله جملة تكاليف كثيرة غير مرئية تضاف الي التكاليف المباشرة الناتجة عن القرارات الدولية. لا يكون المقصود فقط عند إصدار تلك القرارات تحقيق نتائجها المباشرة و انما تحقيق نتائج غير منظورة قد لا تقل كلفتها عن النتائج المباشرة. حدث ذلك في العديد من البلدان التي فرضت عليها عقوبات او صدرت ضدها قرارات مثل إيران و العراق و يوغسلافيا و كوبا و بورما و عدد كبير من الدول معظمها في العالم الثالث. لاستخلاص العبر يجب النظر لقرار المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس البشير من جميع الزوايا و حساب تكاليفه الداخلية و الخارجية حتي يصبح من الممكن التصدي للاثار الناتجة عنه و إبطال مفعولها او التقليل من سلبياتها لأقصي درجة ممكنة ، هذا الأمر يستدعي الحكمة و العمق في الرؤية. كان العالم يترقب ردود أفعال معينة و بناءا عليها سيعتمد الإجراءات اللاحقة. قد تتحقق تلك التوقعات من ردود الأفعال و قد لا تتحقق بشكل كامل و قد تنتج عنها ردود افعال غير محسوبة و لكن كل ذلك يدخل في نطاق الأزمات و أساليب إدارتها. يبدو ان من ردود الفعل التي لم يتم حسابها بدقة من قبل الذين يقفون خلف قرار الجنائية الدولية طرد المنظمات المهمة العاملة في دارفور و لكن نتائج ذلك الطرد ايضا قد لا تتطابق مع المرجو منها. لكن اهم ملامح ازمة الجنائية الدولية و تفاعلاتها الاقتصادية هو تخير القرار لوقت سيء جدا للاداء الاقتصادي العالمي الذي انعكست تداعياته سلبيا علي السودان في انخفاض اسعار النفط و بالتالي ضرب القدرة المالية للدولة بعنف بسبب النقص الحاد في الإيرادات العامة المعتمدة بثقل كبير علي صادرات النفط.
   في هذه الحالة يبدو من الجلي للباحث في الشأن العام السوداني توقعه لان يتكلف السودان مبالغ طائلة في التعبئة الداخلية الامنية و السياسية و الشعبية مما يضيف أعباء مالية كبيرة و يضغط علي الموازنة العامة للدولة لدرجة قد تخرجها عن قنوات الانفاق الاساسية المعتمد عليها في تخيف حدة اثار الازمة المالية العالمية و التقليل قدر الامكان من اثارها الاجتماعية السالبة. ان المبالغة في التعبئة العامة تؤدي الي تعطيل عجلة العمل بالقطاعين العام و الخاص و تضيف تكلفة كبيرة من الوقت و تخرج الكثيرين من العاملين في الشأن العام و في القطاع الخاص عن مهامهم الاساسية و تجعلهم ينصرفون الي أنشطة اخري مما يضيف أعباء جديدة علي الكسب العام و الخاص. من الامثلة البسيطة تعطل حركة السير و عدم تمكن الناس من الوصول الي اعمالهم او منازلهم. نتيجة لذلك قد تتعطل الدراسة او المستشفيات او العمل المصرفي اضافة لتغيب عدد من العاملين في القطاع العام بشكل خاص و التذرع بأنهم كانوا في حملة مؤازرة .يضيف كل ذلك حالة من التوتر و الشد العصبي الزائد . الاخطر من كل ذلك ان المبالغة في التعبئة و التجييش قد يعطي مبررا قويا لاهدار المال العام في وقت الازمة المالية التي تجعل الدولة في حاجة ماسة لاي قرش ليوظف بشكل منتج. كثرة المبررات التي تستدعي الصرف العام و تنوع الجهات التي يذهب لها تضعف الولاية علي المال العام و تبطل مفعول الحساب الدقيق في وقت تعاني فيه البلاد من حالات الاعتداء علي المال العام و تطارد العديد من المؤسسات للإفصاح عن حساباتها.
 يبقي السؤال اذن ما هي الطريقة المثلي التي يمكن ان يدار بها الخطاب السياسي الداخلي و تماسك الجبهة الداخلية بشكل يحقق افضل النتائج و يقلل التكاليف الي اقصي حد ممكن؟ ، ندعو للتعامل مع الامر بالحساب الدقيق حتي لا نذهب في هدر الموارد و تحقيق أهداف غير مرئية للجهات التي تريد ان تنال من السودان. هنا يجب التنبيه الي ان من المهم ايضا تجويد الخطاب الخارجي و تفعيل ادواته باللغة التي يفهمها العالم الخارجي و ان يتم وضع حد لمخاطبة العالم و مؤسساته بلغة في غاية المحلية و ليست محدودة الفائدة فحسب و انما مضرة ايضا ، و سنعود ان شاء الله للشأن الخارجي في مناسبة اخري. 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.