تفرض المتغيرات المتسارعة في العالم إعمال الفكر لتوظيف الموارد الاقتصادية في السودان بشكل يتوافق مع معايير الطلب ، احتياجات الأسواق و التنافسية. يشتد الان الصراع بين توظيف الزراعة في تحقيق الامن الغذائي الذي يعاني من مشكلات متصاعدة و بين التوظيف في توفير بدائل الطاقة.في اطار صراع المصالح المحتدم ستسعي العديد من الدول نحو توظيف الموارد العالمية بشكل يساعدها في تحقيق استراتيجياتها الخاصة بالنمو و خفض تكاليف الانتاج ، كما ستحاول الحكومات تجنب الضغط الكبير من الجماعات البيئية المناصرة للتوسع في استخدام الوقود الحيوي للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري ، و بما ان نفوذ تلك الجماعات في تصاعد فلن تستطيع العديد من الحكومات و الاحزاب الساعية الي السلطة تجاهلها. يشكل ذلك ضغطا علي الاسواق نحو استخدام الوقود الحيوي. من جانب اخر ستسعي العديد من الشركات لتعظيم ارباحها لتحقيق سبق في انتاج الآليات و المعدات التي تعمل بالوقود الحيوي بشكل هجين او كامل. زاد من تلك الاحتمالات ارتفاع اسعار النفط في العام 2008م ليصل الي مستوي 150 دولار للبرميل، بل و حتي السعر الحالي للبرميل الذي يقف في المتوسط علي حافة ال 80 دولار للبرميل يعتبر في نظر العديد من المحللين الاقتصاديين سعر مرتفعا.

بالطبع كل ذلك لا يعني ان النفط سيختفي قريبا من الاسواق العالمية لكن استخدامه سينخفض نسبيا كما تشير العديد من الدراسات. ادي ارتفاع كفاءة الاستخدام و ترشيد الاستهلاك ، خاصة مع تداعيات الازمة المالية العالمية اضافة لاستخدام المصادر البديلة للطاقة ، الي نقص مضطرد في كميات النفط المطلوبة لانتاج السلع و الخدمات و تحقيق النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم. بذلك تشير العديد من الدلائل الي انخفاض الطلب العالمي علي النفط فقد ذكرت الوكالة الدولية للطاقة ، حسب رويتر الي تراجع متسارع في الاحتياج للنفط مع تغيرات هيكلية في الاقتصاد العالمي تشير الي ان الطلب علي الوقود الاحفوري لم يعد كما كمان منذ عقد من الزمان. مع ذلك فان التراجع النسبي في الطلب علي النفط لا يعني تراجعه كميا بسبب تزايد النمو السكاني و ارتفاع معدلات النمو و الثروة في بعض مناطق العالم ،خاصة ما يسمي بالدول الصاعدة ذات الكثافة السكانية العالية كما هو الحال في دول مثل الصين ، الهند و البرازيل. الشاهد ان العالم حتي اليوم لم يكف عن استخدام الفحم الحجري كمصدر للطاقة و بالتالي فان استخدام البترول سيستمر الي وقت ليس بالقصير. لكن هناك حقيقة دامغة يجب ادراكها دون تلكؤ في الفهم و هي ان استخدام النفط قد وصل الي ذروة استخدامه او كاد و سيأخذ في التراجع المستمر مع سير العالم نحو الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري و التوسع في انتاج الوقود الحيوي.

تشكل العوامل الخاصة بالطاقة فرصة مواتية للسودان للتوسع في الاستثمار الزراعي لتحقيق هدفين متلازمين هما: تحقيق الامن الغذائي و التوسع في الانتاج الزراعي من اجل انتاج الوقود الحيوي. تشير تجربة مشروع سكر كنانه الناجحة في انتاج الايثانول الي الجدوي الاقتصادية العالية لذلك المسار كنهج بديل للتركيز علي قطاع البترول و تهميش القطاع الزراعي. من هنا يبدو واضحا ان الزراعة ليست ضرورية لانتاج الغذاء فقط ( و هذا بالطبع هدف حيوي لا يمكن الاستغناء عنه) و انما مهمة ايضا و بشكل كبير في تحقيق النمو الاقتصادي و ايجاد البدائل اللازمة للتنمية و توسيع فرص الصادرات السودانية. يستدعي ذلك وضع انتاج الحبوب من اجل التوسع في انتاج الوقود الحيوي كهدف لا يقل اهمية عن تحقيق الامن الغذائي. يضاف لذلك اهمية المنتجات الزراعية كمواد خام لعدد كبير من الصناعات الحيوية ذات الميزة النسبية العالية في السودان. من تلك الصناعات عدد كبير من الصناعات الغذائية المعتمدة علي المواد الخام النباتية او الحيوانية ، صناعة النسيج ، الورق ، الزيوت ، الأخشاب ، الأحذية و المنتجات الجلدية ، الأدوية و المواد العطرية و الكثير غيرها. قبل أن نذهب بعيدا عن تناول لقطاع البترول تجدر الاشارة الي احتياج السودان لتحسين شروط إنتاجه و زيادة كفاءته بفتح المجال امام المنافسة الدولية و عدم حصره في زاوية ضيقة تحد من مكاسبه الاقتصادية و البيئية.

   الكثير من الحلول للمشاكل التي يعاني منها الاقتصاد السوداني لا نجدها في النفط و بالتالي لا بد من البحث عن بدائل اخري. هناك حقيقة تشير الي تزايد وتيرة بحث العالم عن الوسائل التي تلبي احتياجاته الغذائية المتزايدة. في نفس الوقت تتزايد وتيرة البحث عن مصادر للطاقة النظيفة و التي تتركز بشكل اساسي في الزراعة. واحد من البدائل المطروحة بشدة هي حقول ألذره بدلا عن حقول البترول ، ذلك بسبب احلال الطاقة البيولوجية بدلا عن الطاقة النفطية. نشا هنا مصطلح "زراعة الطاقة" مما يفتح اسواقا واسعة امام المحاصيل الزراعية و يرفع من اسعارها. لم تعد محاصيل كقصب السكر ، الذرة بمختلف انواعها و فول الصويا مجرد منتجات زراعية و انما اصبحت من المستلزمات الصناعة الحيوية ذات القيمة العالية.لقد وقفنا في زيارة لنا في شهر مارس الماضي ، 2010م علي ما يحدث في مصنع سكر كنانة الذي اصبح يستخدم جميع مخلفات صناعة السكر في استخدامات مفيدة بشكل ساعد لحد كبير في التخلص من النفايات التي يمكن ان تكون مضرة بالبيئة إضافة لتقليل تكاليف الإنتاج و زيادة تنافسية المشروع. و يعتبر ما يحدث في كنانة نموذجا للعمل الراداري و الاستثماري المتطور و المواكب لمتغيرات العصر و تحولات الأسواق.

  حسب الوكالة الامريكية لمعلومات الطاقة فان الطلب علي الوقود المعتمد علي الايثانول المستخرج من الذره و الديزل البيولوجي المستخرج من فول الصويا في تزايد مضطرد مما يدفع الاسواق نحو زيادة الطلب علي الوقود السائل الذي سيعتبر مصدرا مهما للطاقة خلال العقدين القادمين في دول امريكا الشمالية و الجنوبية ، اوروبا و عدد من البلدان الاسيوية. في هذا المجال تتفوق الطاقة البيولوجية علي سواها من مصادر الطاقة في كونها نظيفة و متجددة و بالتالي يمكن اعادة انتاجها بشكل مستمر عبر اعادة زراعة المحاصيل اللازمة. اوردت شبكة النبأ الاخبارية ان الخبير في الطاقة البيولوجية جون اوربانشوك الذي يعمل في شركة ( LECG ) الاستشارية قوله " تلعب أنواع الوقود البيولوجي دوراً رئيسياً للغاية في الحلول محل أنواع الوقود المستندة إلى النفط." استادا الي المجلس القومي للديزل الذي يعمل فيه اوربانشوك فانه اذا تمكنت الولايات المتحدة الامريكية من استبدال 5% فقط من الديزل المستخدم اليوم بانواع من الوقود المتجدد فانها تستطيع الاستغناء عن جميع الكميات المستوردة حاليا من النفط الخام العراقي المستخدمة في إنتاج وقود الديزل.

  بالنظر الي الحقائق و العوامل التي تربط بين استخدام الزراعة في تحقيق الامن الغذائي و الوقود البيولوجي نجد العديد من الروابط الحيوية بين الاستخدامين. اهم تلك الروابط هي ان التوسع في الانتاج الزراعي يساعد في تحقيق عدد من الاهداف في وقت واحد. تتعلق تلك الاهداف بتحقيق الامن الغذائي، انتاج بدائل الطاقة الأقل كلفة و الأوسع استخداما في المستقبل ، انتاج العديد من المواد الخام لعدد كبير من الصناعات، التوسع في الاستخدام الصناعي للمخلفات مما يقلل من التكاليف البيئية ، خفض تكاليف انتاج الغذاء و زيادة كميته مع توفر الامكانيات و الموارد اللازمة لرفع كفاءة الانتاج  و تحسين تنافسية المنتجات. يستدعي كل ذلك تغيير العقلية السائدة حول الانتاج الزراعي و تكثيف الاستثمار في القطاع الزراعي خاصة في البنيات التحتية بمختلف اشكالها و تحسين بيئة العمل و ازالة المعوقات التي تعترض الزراعة في السودان. من الضروري ايضا مراجعة السياسات المالية و النقدية المعوقة للزراعة في السودان و توسيع فرص جذب الاستثمار الاجنبي للقطاع دون التفريط في حقوق المزارعين او تدمير نمط حياتهم كما يحدث في مشروع الجزيرة. ان تحقيق الامن الغذائي و التوسع في الانتاج الزراعي من اجل الاستخدامات البديلة للطاقة و ربط الانتاج الزراعي بالصناعة هي متلازمة لا فكاك منها. من نافلة القول ان هذا الموضوع يحتاج الي تخطيط و فكر تنموي منفتح و مستنير و ان يتم العمل فيه علي وجه السرعة ابتدأ من الان قبل ان تحدث المفاجأة بخروج حقول النفط من مسار تغذية الموازنة العامة في السودان بسبب انفصال الجنوب المنتظر.

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]