بمناسبة يوم العمال العالمي ، او كما يطيب للبعض ان يسميه ( عيد العمال ) نتقدم بالتهنئة لجميع العاملين في السودان سواء ان انطبق عليهم الوصف الدقيق للعامل ام لا. لقد اصبح معظم الذين يعملون باجر او في نشاط صغير من اجل كسب العيش ، اصبحوا عمالا كادحين. لم يعد وصف البرجوازية الصغيره الذي كان يميز الطبقة الوسطي اكثر من غيرها  ينطبق علي غالبية من كان يشملهم ذلك التصنيف. لقد تلاشت الفروق بينهم و بين العمال ، المهرة و غير المهرة ، كما تساوا مع اصحاب الانشطة الصغيرة ، من اصحاب المتاجر و المزارع و الباعة المتجولين و( ستات الشاي) و العاملين في المهن اليدوية الثابتة و السيارة و الذين يبيعون الطعام في الطرقات العامة او في غيظ النهار ، او حتي بائعي و بائعات( الأشياء الاخري). الكسب لم يعد خاضعا للتصنيف المهني او التأهيل العلمي او الخبرة في العمل و انما سادت معايير اخري منها المفهوم و منها الذي يصعب فهمه.

     لم افهم منذ زمن طويل و لا زلت لا افهم حتي اليوم حقد الكثير من الناس علي العمال لمجرد ان فيلسوف قاطع ، اسمه كارل ماركس ، قد ميزهم علي غيرهم و اعطاهم الحق في الريادة و القيادة حسب وجهة نظره المؤسسة علي فلسفة كاملة و نظريات طالت الاقتصاد و الاجتماع و السياسة ، في تحقيق الرفاهية الاجتماعية و تحطيم قيود الاستعباد و الاستغلال. و جاءت مع الأفكار الماركسية مقولة ( يا عمال العالم و شعوبه المضطهدة ، اتحدوا). تلك الدعوة لا تخرج بعيد عن نطاق شعارات مثل ( في الاتحاد قوه) . لكنني من جانب اخر افهم حقد رأس المال علي العمل و حقد المستغِلين علي المستغَلين عندما ينهضون و يطالبون بحقوقهم المشروعة و يحطمون قيودهم و يهددون السلطان المطلق الحامي لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان ، دون اعتبار لقول الفاروق عمر ( متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).

      لا يوجد احد في عالم اليوم يشكك في ان النقابات المهنية الحقيقية ( الحرة النزيهة ) هي الضمانة الوحيدة لحقوق العاملين و تشكل الفيصل في العلاقة بين العامل و صاحب العمل بين المستخدم و المخدم. لا توجد أي وسيلة اخري تمكن العاملين من المطالبة بحقوقهم المشروعة في العمل و مستحقاته و بيئته و شروطه غير النقابات المستقلة الحرة من التبعية لأصحاب العمل و السلطة التنفيذية في أي بلد من بلدان العالم. انظروا لجميع دول العالم و تأملوا من الذي يطالب للعاملين بحقوقهم و كيف تتم تلك المطالبة. الأمر لا يتوقف علي الحقوق الخاصة المتعلقة بالعمل و مستحقاته و انما ايضا الحق العام  و تشكيل ضمانة للأداء الاقتصادي الكفء و ضمان التوازن بين العمل و رأس المال. انظروا مثلا لما يحدث في فرنسا و اليونان علي سبيل المثال ، تذكروا ما حدث من اصحاب المزارع خاصة مزارع الألبان في اوربا عندما ارتفعت مستويات الاسعار و اثر ذلك علي مستهلكيها ، تذكروا وقفة العمال ضد تداعيات العولمة و الازمة المالية العالمية و انتفاضة عمال بريطانيا في الثمانينات من القرن الماضي ضد قوانين الخصخصة التاتشريه.

      الشواهد كثيرة و لا يمكن حصرها لكن اذا عادت بنا الذاكرة لأيام حرية العمل النقابي في السودان لوقفنا علي صفحة ناصعة البياض قل ان يجود الزمن بمثلها. ما ميز تلك الفترة كفالة الحقوق و ضمان كفاءة الأداء و غياب مظاهر الفساد و المحاباة و جودة الإنتاج و كفاية الدخل و العدالة النسبية للتوزيع ، و جزء كبير من الفضل في كل تلك الانجازات كان يعود للنقابات و النقابيين الشرفاء الذين دافعوا عن حقوق العاملين و عن حقوق الوطن علي حد سواء. بمناسبة اليوم العالمي للعمال ندعو لإعادة النظر في قوانين النقابات و العودة الي النقابات المهنية التي تشكل الضمانة الحقيقية لحقوق العاملين و تصون حقوق العمل و هي ضرورية للعامل و المخدم و للنشاط الاقتصادي في مجمله و لضمان جودة الإنتاج و تنافسيته كما انها واحدة من اهم أدوات مكافحة الفساد. اذا كان المؤتمر الوطني قد فاز فعلا بالنسب العالية المعلن عنها في انتخابات ابريل الماضي فلم يعد امامه شيء يخشاه من إطلاق الحريات و تعديل القوانين بما في ذلك الحريات و القوانين التي تكفل حق التنظيم النقابي و الحق بالمطالب المشروعة في العمل و مستحقاته و الحق في إتباع جميع الوسائل المشروعة في الدفاع عن الحقوق بما فيها حق الإضراب. و الحال كذلك فلتكن اول هدايا الفوز هي إعطاء العاملين حقوقهم في التنظيم النقابي كاملة و بالشكل الذي يرغبون فيه حقيقة و ليس بشكل ملتوي و ان يتم ذلك وفقا للمعايير الدولية في العمل التنظيم النقابي. فليتحد عمال السودان من اجل الحق النقابي ، و التهنئة لجميع عمال و كادحي العالم و كل عام و انتم في وضع أفضل.

 

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]