صدر تقرير جديد من البنك الدولي يرصد الموقف الدولي من أهداف الالفية الانمائية بعد الازمة المالية العالمية. و يشير تقرير " الرصد العالمي للعام 2010م" الي ان الازمة المالية اثرت بشكل عميق علي جميع اهداف الالفية الانمائية و بشكل اساسي علي معدلات الجوع ، المساواة بين الجنسين ، وفيات الاطفال ، الحصول علي المياه النظيفة و مكافحة الامراض. يقول التقرير ان التأثير السلبي علي تلك الاهداف سيستمر الي ما بعد العام 2015م بكثير.نتيجة للازمة المالية ، و كما اكدت العديد من الدراسات الصادرة من مختلف جامعات العالم و مراكز البحث العلمي ستزيد من معدلات الفقر المدقع و ستحد بشكل كبير من الهدف الأساسي للالفية و هو خفض الذين يعانون من الجوع الي النصف بحلول العام 2015م. بذلك سيواجه اكثر من مليار شخص صعوبات بالغة في تحقيق احتياجاتهم الغذائية الأساسية. من جانب اخر فاقمت الازمة المالية العالمية من ازمة الغذاء الذي ما زالت اسعاره تتصاعد مدفوعة بالتوجه نحو الوقود الحيوي و التغيرات المناخية.

ترشح التوقعات العالمية السودان كواحد من اكثر الدول التي ستعاني من التغيرات المناخية. و هذا امر ملحوظ لا يمكن إخفائه ، ابتدأ من تذبذب معدلات الامطار و تراجع مستوي مياه النيل هذا العام بشكل قياسي و تصاعد معدلات التصحر. يزيد الامر سوءا وجود العديد من العوامل السياسية و الاقتصادية التي لا تدعم موقف السودان في التخلص بشكل ناجح من تداعيات الازمة المالية العالمية. من تلك العوامل تراجع اسعار البترول و مؤشرات عدم الاستقرار السياسي و الامني مع التوقع بانفصال الجنوب و تصاعد النزاع في مناطق التماس بين الشمال و الجنوب كما حدث اخيرا في جنوب دارفور و ما زال مستمرا من المعارك الدائرة بين قوات من الجيش الشعبي و قبيلة الرزيقات. يضاف لذلك ازمة دارفور التي لا يلوح في الافق حلا قريبا لها. هناك ايضا تزايد التوتر بين دول حوض النيل و موقف السودان غير الواضح من هذه القضية الحيوية ذات البعد الاستراتيجي مقروءة ايضا مع توقعات الانفصال. يجب ان لا يغيب عن بالنا عاملا مهما اخر و هو المتعلق بمن سيتحمل عبء الديون الخارجية في حالة انفصال الجنوب؟ اذا الغي العبء كله او الجزء الاكبر منه علي الشمال فان ذلك سيكون من اكبر معوقات التنمية في المستقبل. ستكون انعكاسات الديون في ظل تراجع ايرادات البترول و تدهور القطاع الزراعي اضافة للتكاليف الامنية الباهظة للنزاعات الحالية و المتوقعة ، ستكون باهظة الثمن و عالية الاثر علي النشاط الاقتصادي في مجمله كما ستترك اثرا سلبيا علي ميزان المدفوعات يعوق القدرة المالية للدولة و يحد من قدرتها علي الاقتراض و جذب الاستثمار.

في حالة عدم الوصول لحل مرض حول ملفات الاستفتاء و ما سيترتب عليه من نتائج فان المؤشرات تدل علي نشوء المزيد من المزالق التي ستؤثرا سلبا علي الاستثمار الاجنبي بما فيه الصيني. من المعلوم ان الصين اتجهت نحو التوقيع علي العديد من الاتفاقيات مع عدد من الدول لتأمين احتياجاتها من الطاقة. لكل تلك الاسباب و حتي لا ننسي اهداف الالفية بالغة الاهمية للسودان ، علي الحكومتين الحاليتين في سودان اليوم في الشمال و الجنوب العمل بجدية من اجل صيانة المصالح العامة المشتركة و ادراك ان العالم في أزمته الراهنة ليس علي استعداد للمغامرة بموارده من اجل دعم هذا الطرف او ذاك الا بما يخدم مصالحه ( الغرب) المباشرة و يحقق له مكاسب ملموسة. من الضروري الالتفات الي ضرورة توفير بيئة مستقرة سياسيا و اقتصاديا لايجاد البدائل المناسبة للاستثمارات التي تساعد في انجاز أهداف الالفية و اعادة الحياة للاقتصاد السوداني.

     من اكبر البدائل المتاحة خاصة لشمال السودان هي التوسع في الاستثمار الزراعي بشكل يحقق عدد من الاهداف اهمها : الامن الغذائي، توفير المواد الخام اللازمة للعديد من الصناعات و من اهمها الصناعات الغذائية و الهدف الثالث هو الوصول الي وفرة من الانتاج الزراعي تكفي للهدفين السابقين و توفير فائض مناسب للاستخدام في انتاج الوقود البيولوجي الذي يرتفع الطلب عليه بشكل متصاعد في الاسواق العالمية. من نافلة القول ان ذلك لن يتم بدون توفير بيئة مستقرة و مناسبة لتشجيع الاستثمار الوطني في الزراعة و جذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لتحقيق الأهداف الثلاث للإنتاج الزراعي مجتمعة. يلزم في هذا الاتجاه مراجعة العقيدة الاقتصادية للدولة و إصلاح السياسات الاقتصادية الكلية بشكل جذري. في غياب شروط الاستقرار السياسي و الاقتصادي و حل المشاكل العالقة سنجد أهداف الالفية الإنمائية و غيرها من الاحتياجات الحياتية الأساسية قد راحت كما يقال "في خبر كان".

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]